علي بن شيخ يكشف: “رفضت التلاعب فحُرمت من المونديال والاحتراف”

خرج نجم الكرة الجزائرية الأسطوري علي بن شيخ عن صمته الطويل في حوار مطوّل وصريح مع الإعلامي لخضر بريش ضمن بودكاست “وين وين”، ليكشف لأول مرة تفاصيل صادمة عن مسيرته الرياضية التي كان يمكن أن تكون أكثر تألقًا لولا التدخلات والقرارات التي وصفها بالمؤامرات. من إقصائه عن مونديال 1982 إلى منعه الرئاسي من الاحتراف في أوروبا، مرورًا بالبطاقة الحمراء المدبرة في النهائي الإفريقي، فتح بن شيخ ملفات حساسة في ذاكرة الكرة الجزائرية لم تُروَ من قبل.

استهل بن شيخ اعترافاته بالحديث عن المباراة النهائية لكأس إفريقيا للأندية التي تُوّج بها مع مولودية الجزائر، مؤكدًا أن البطاقة الحمراء التي تلقاها في مباراة الذهاب لم تكن بريئة. وأوضح أن هناك مخططًا واضحًا لإقصائه عن مباراة الإياب التي كانت ستُقام في الجزائر أمام الجماهير، قائلاً بلهجة حاسمة: “كل ما حدث كان مناورة مدروسة لإبعادي، لم أعتدِ على أي لاعب ولم أرتكب ما يستحق الطرد”.

ولفت إلى أن الدولة الجزائرية تدخلت بقوة في الملف، حيث عُرض تسجيل فيديو للمباراة على مسؤولي الاتحاد الإفريقي لكرة القدم يُثبت براءته من الاتهامات. واستفادت الجزائر من نفوذها السياسي القوي في القارة الإفريقية آنذاك لإلغاء العقوبة، ما سمح له بالمشاركة في النهائي والمساهمة في تتويج المولودية باللقب القاري في واحدة من أبرز اللحظات الذهبية في تاريخ النادي.

الملف الأكثر إثارة للجدل في الحوار كان حديثه عن إقصائه من كأس العالم 1982 بإسبانيا، حيث أكد بن شيخ بكل وضوح أن غيابه لم يكن لأسباب فنية أو بدنية، بل نتيجة رفضه الانخراط في ترتيبات داخلية وصفها بـ”المؤامرة” التي كانت تهدف لاختيار لاعبين معينين على حساب آخرين بناءً على مصالح شخصية.

وكشف أن أطرافًا داخل المنتخب طلبت منه التفاهم معها للسيطرة على التشكيلة الأساسية، لكنه رفض بشدة انطلاقًا من قناعته بأن مصلحة المنتخب والوطن فوق كل اعتبار. وأضاف: “كان هناك أربعة لاعبين على الأقل، وربما أكثر، متورطون في هذا الاتفاق، أما أنا فتم تهميشي بشكل كامل”.

ووصف معاناته خلال البطولة بكلمات مؤلمة: “لم ألعب المباراة الأولى، ولم أُستدعَ للثانية، ولم أشارك في الثالثة، بل لم يُطلب مني حتى الإحماء على الخط. كنت كأنني غير موجود”. ونفى بشدة أن يكون صيامه في رمضان سببًا للإقصاء، مشيرًا إلى أن لاعبين مصابين شاركوا في المباريات بينما بقي هو على المدرجات.

لم يتوقف الظلم عند حدود المنتخب، بل امتد ليطال أحلام بن شيخ في الاحتراف الأوروبي. كشف النجم السابق أنه كان محل اهتمام كبير من أندية أوروبية عريقة من بينها أولمبيك مارسيليا ونانت الفرنسيان وأتلتيكو مدريد الإسباني، وأنه خاض بالفعل تجارب ناجحة مع نادي نانت الفرنسي كانت ستفتح له أبواب الاحتراف.

لكن المفاجأة المدوية جاءت بصدور قرار رئاسي يمنعه من مغادرة الجزائر. وأوضح أن الرئيس الراحل هواري بومدين اعتبره “ملكًا للشعب الجزائري” وأن خروجه من البلاد في تلك المرحلة الحساسة غير مقبول وطنيًا. وأضاف أن اسمه وُضع ضمن قائمة “ممنوعي السفر”، ولم يكن بإمكانه مغادرة التراب الوطني حتى للسياحة أو الزيارات العائلية.

وكشف أن محاولات تبرير خروجه للسلطات بأنها مرتبطة بالبحث عن سكن وليس بالاحتراف زادت من تعقيد وضعيته، لينتهي حلم اللعب في الدوريات الأوروبية الكبرى قبل أن يرى النور، في قرار وصفه بأنه “سرق مني سنوات من العطاء على المستوى الدولي”.

رغم امتلاكه الخبرة والمؤهلات الفنية التي تؤهله ليكون مدربًا ناجحًا، أكد علي بن شيخ رفضه القاطع للعمل في مجال التدريب داخل الجزائر، واصفًا الوضع الإداري للأندية بأنه “كارثي ومدمر للكفاءات”.

وعدّد الأسباب التي دفعته لهذا الموقف: “المدرب في الجزائر يواجه رؤساء أندية لا يفهمون شيئًا عن كرة القدم، ضغوطًا إعلامية منظمة، وحملات تشويه ممنهجة عبر أطراف مدفوعة الأجر”. واعتبر أن المدرب لا يُمنح البيئة المناسبة للعمل ولا الحرية الكافية لتطبيق رؤيته الفنية، ما يجعل نجاحه شبه مستحيل.

عندما سُئل عن سر التألق القاري لمولودية الجزائر في فترته، أجاب بن شيخ بوضوح أن النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل قائمًا على عنصرين جوهريين: وجود لاعبين في مستوى عالمي، وروح العائلة الحقيقية داخل الفريق.

وأشاد بالدور الكبير الذي لعبه الرئيس الراحل عبد القادر ظريف، الذي كان يتعامل مع اللاعبين كأب حنون، يجمعهم خارج الملعب، يحل مشاكلهم، ويخلق بينهم الانسجام والتآلف، ما انعكس بشكل مباشر على أدائهم الاستثنائي داخل المستطيل الأخضر.

في مقارنته بين نجوم الكرة العالمية، أكد بن شيخ انتماءه لمدرسة “كرة القدم الجميلة” التي تقدّس الإبداع الفني على القوة البدنية. وصنّف بيليه ومارادونا وميسي في القمة المطلقة لتاريخ اللعبة، معتبرًا أنهم يجسدون الروح الحقيقية لكرة القدم.

أما عن كريستيانو رونالدو، فرأى أنه نموذج مختلف تمامًا، قائم على القوة البدنية والصرامة في التحضير أكثر من الموهبة الفطرية والفن. ولفت إلى أن تطور القوانين وحماية الحكام للمهاجمين ساعدت ميسي على التألق، بينما لعب مارادونا في عصر كان العنف فيه جزءًا من اللعبة.

وجّه بن شيخ رسالة واضحة للاعبين الشباب في الجزائر والعالم العربي، ركّز فيها على ضرورة العمل الجاد والانضباط التام، والابتعاد عن السهر والحياة غير الرياضية. ونصحهم بعدم الشعور بالنقص أمام اللاعب الأوروبي، وباللعب من أجل الفريق قبل المصالح الفردية، مع جعل المنتخب الوطني هدفًا أساسيًا في كل مسار رياضي.

اعتبر بن شيخ أن المنتخب المغربي هو الأقرب حاليًا للوصول إلى المستوى العالمي، مستشهدًا ببلوغه نصف نهائي كأس العالم. وحدد المشاكل الرئيسية في الكرة العربية: ضعف التكوين القاعدي، هشاشة الدوريات المحلية، وغياب التخطيط طويل المدى. وانتقد الاعتماد المفرط على اللاعبين الأجانب في بعض الدوريات، معتبرًا أن ذلك يعيق تطور المواهب المحلية.

حوار علي بن شيخ لم يكن مجرد استرجاع لذكريات رياضية، بل شهادة تاريخية حية تكشف الجوانب المظلمة من علاقة السياسة بالرياضة في الجزائر خلال حقبة حساسة. إنها شهادة لاعب موهوب يؤمن أنه دُفع بعيدًا عن الأضواء العالمية في أوج عطائه، ليس لنقص في الموهبة، بل بسبب مواقفه الأخلاقية ورفضه المساومة على المبادئ.

وبين ألم الماضي وحسرة الفرص الضائعة، يبقى اسم علي بن شيخ منقوشًا بحروف من ذهب في ذاكرة الكرة الجزائرية، كرمز لجيل صنع المجد رغم الظروف، ودفع ثمن الصراحة والكرامة… ثمنًا باهظًا.