قبل الكان… هل يملك بيتكوفيتش شجاعة بناء المنتخب حول مازة؟

إبراهيم مازة يواصل تأكيد علوّ كعبه مع باير ليفركوزن، بعدما تحوّل تدريجياً إلى أحد أهم مفاتيح اللعب في منظومة الفريق الألماني خلال الأسابيع الأخيرة. من مباراة إلى أخرى، بات واضحاً الحجم الكبير للتأثير الذي أصبح يصنعه الدولي الجزائري في وسط الميدان، سواء على مستوى البناء الهجومي أو في عملية الربط بين الخطوط، وهو ما جعله يشبه “المحرّك” الحقيقي لتدوير الكرة ورفع نسق الفريق خلال المباريات الصعبة.

من يتابع مباريات ليفركوزن يلاحظ أن مازة يخرج غالباً ضمن أفضل لاعبي فريقه في التقييمات، بفضل دقته في التمرير وحضوره الذهني في مختلف مراحل اللعب. اللاعب يجيد التحرك بين العمق والأطراف، يطلب الكرة تحت الضغط، ويمنح زملاءه الحلول بالتمرير القصير والطويل على حد سواء، ما يجعله محوراً أساسياً في بناء الهجمة منذ انطلاقها من الخلف وحتى الوصول إلى مناطق الخصم. هذا التنوع في الأدوار سمح للمدرب بمنحه حرية أكبر في التقدم وصناعة الفارق في الثلث الأخير من الملعب.

التمريرة الحاسمة التي قدّمها مازة أمام بوروسيا دورتموند جاءت بعد نزوله الذكي إلى الجهة اليسرى، وهي نفس المنطقة التي صنع منها هدفاً في المباراة السابقة أمام مانشستر سيتي، ما يؤكد قدرته على قراءة الفراغات واستغلال الأروقة في ظهر الدفاع. تحرّكاته نحو اليسار لا تكون عشوائية، بل نتيجة وعي تكتيكي يجعله يغيّر زاوية التمرير ويفتح مساحات لزملائه في منطقة الجزاء، ليُظهر أنه لا يكتفي بدور لاعب ارتكاز تقليدي، بل يملك لمسة صانع ألعاب متقدم.

إذا لم تكن الانطباعات البصرية كافية لإقناع المتابع بتأثير مازة، فإن الأرقام الأخيرة تتكفّل بذلك؛ حيث ساهم الدولي الجزائري في تسجيل 5 أهداف خلال آخر 7 مباريات خاضها مع باير ليفركوزن، سواء بصناعة الأهداف أو بالمشاركة المباشرة في بناء الهجمات الحاسمة. هذه المساهمة الهجومية المنتظمة تؤكد أن حضوره لا يقتصر على الجانب التكتيكي، بل يترجم عملياً في لوحة النتائج، حتى وإن حرمته بعض الفرص الضائعة من زملائه من زيادة عدد التمريرات الحاسمة في سجله.

ورغم أن فريقه لم يظهر اليوم بنفس النسق العالي الذي لعب به قبل ثلاثة أيام فقط، فإن أداء مازة حافظ على نفس مستوى الفاعلية والحضور في وسط الميدان. بعض زملائه ضيّعوا عليه تمريرات حاسمة أخرى كانت كفيلة برفع رصيده من المساهمات الهجومية، لكن ذلك لا ينقص من قيمة ما يقدمه داخل الملعب. استمرار هذا النسق يضع اللاعب في واجهة المشهد داخل ناديه، ويعزز مكانته كعنصر أساسي في حسابات المنتخب الجزائري قبل المواعيد القارية المقبلة.

قبل الكان، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل يملك فلاديمير بيتكوفيتش شجاعة بناء المنتخب الوطني حول إبراهيم مازة؟ مازة لم يعد مجرد موهبة عابرة، بل تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى لاعب مؤثر في واحد من أقوى أندية البوندسليغا، بصناعة الفارق أمام عمالقة بحجم مانشستر سيتي وبوروسيا دورتموند، وبأرقام تؤكد أنه حاضر في تسجيل أو صناعة الأهداف بشكل متواصل.

هذه المعطيات تجعل منه مشروع قائد فني حقيقي في وسط الميدان، قادر على منح الخضر الإضافة في الربط بين الخطوط، التحكم في الإيقاع، وكسر الضغط عبر تمريراته العمودية وتحركاته الذكية نحو الجهة اليسرى. ومع ذلك، فإن بناء منتخب حول لاعب بعمر مازة يتطلب جرأة تكتيكية من بيتكوفيتش، تتمثل في منحه دور المحور الإبداعي الأول، وإعادة تشكيل الوسط بما يخدم خصائصه، مع توفير حماية دفاعية كافية خلفه. إن استثمر المدرب هذه الفورمة العالية ومنح مازة الثقة والمسؤولية، فقد يجد المنتخب نفسه أمام “دينامو” جديد يبني حوله جيلاً كاملاً، بدل الاكتفاء باستعماله كخيار تكميلي في منظومة ما زالت تبحث عن هوية هجومية واضحة.