على بعد ثلاثة أيام فقط من قرعة كأس العالم 2026 التي ستقام في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا، كشفت شبكة “أوبتا أناليست” (Opta Analyst) المتخصصة في التحليلات الإحصائية الكروية عن توقعاتها لحظوظ المنتخبات المشاركة في التتويج باللقب العالمي. وفي تصنيف ضم 48 منتخباً مؤهلاً للبطولة، جاء المنتخب الجزائري في مركز متأخر بنسبة 0.3% فقط للفوز بكأس العالم، في تقييم يعكس النظرة الإحصائية البحتة دون مراعاة للعوامل الأخرى التي قد تلعب دوراً حاسماً في البطولات الكبرى.

التصنيف الذي نشرته “أوبتا” يعتمد على خوارزميات رياضية معقدة تأخذ بعين الاعتبار عدة معايير منها قوة المنتخب في التصنيف العالمي، مستوى اللاعبين في الأندية الأوروبية الكبرى، النتائج الأخيرة، وأداء المنتخبات في البطولات السابقة. وحسب هذه المعايير، تتصدر إسبانيا القائمة بنسبة 17%، تليها فرنسا بـ14.1%، ثم إنجلترا بـ11.8%، فيما جاءت الأرجنتين حاملة اللقب في المركز الرابع بنسبة 8.7%.
حظوظ المنتخبات العربية في التتويج
المنتخبات العربية والإفريقية سجلت حضوراً محدوداً في هذا التصنيف، حيث جاء المغرب في مركز أفضل من الجزائر بنسبة 1.1%، تلاه مصر بـ0.3% مساوياً للجزائر، ثم السعودية وتونس بنسبة 0.1% لكل منهما. هذه الأرقام المتواضعة تعكس الفجوة الكبيرة التي لا تزال قائمة بين المنتخبات الأوروبية والأمريكية الجنوبية من جهة، والمنتخبات الإفريقية والآسيوية من جهة أخرى، على الأقل من منظور التحليلات الإحصائية.
لكن الأرقام والإحصائيات، رغم أهميتها، لا تحكي القصة كاملة في عالم كرة القدم. المنتخب الجزائري تأهل إلى كأس العالم 2026 عن جدارة واستحقاق، حيث تصدر مجموعته في التصفيات الإفريقية بأداء مقنع وانضباط تكتيكي عالٍ تحت قيادة المدرب الكرواتي فلاديمير بيتكوفيتش. الخضر أنهوا مشوارهم التصفوي بثقة، متفوقين على منافسين أقوياء، وأثبتوا قدرتهم على المنافسة والفوز في المباريات الحاسمة، وهو ما يمنحهم زخماً معنوياً كبيراً قبل انطلاق البطولة العالمية.
بيتكوفيتش يُريد مشوار ايجابي
بيتكوفيتش الذي تولى مهمة تدريب المنتخب الوطني لم يخفِ طموحه في تحقيق مشاركة مشرفة في كأس العالم 2026، مشدداً في أكثر من مناسبة على أن هدف الخضر لن يكون المشاركة فقط، بل السعي للذهاب بعيداً في البطولة وتقديم أداء يليق بتاريخ الكرة الجزائرية. المدرب الكرواتي يدرك جيداً أن المونديال بطولة مختلفة عن أي منافسة أخرى، وأن المفاجآت واردة دائماً، وأن المنتخبات التي تملك التنظيم الجيد والروح القتالية والإيمان بالنفس قادرة على تحدي التوقعات وتجاوز الحسابات الورقية.
التاريخ الكروي مليء بقصص منتخبات فاجأت العالم وتجاوزت كل التوقعات في كأس العالم. المغرب في مونديال قطر 2022 خير مثال على ذلك، حيث وصل إلى نصف النهائي متفوقاً على منتخبات عملاقة مثل بلجيكا وإسبانيا والبرتغال، رغم أن التوقعات لم تكن تمنحه فرصة تجاوز الدور الأول. كرواتيا نفسها في مونديال 2018 وصلت إلى النهائي رغم أن الأرقام لم تكن لصالحها قبل البطولة. هذه الأمثلة تؤكد أن كرة القدم ليست علماً دقيقاً، وأن العزيمة والتكتيك والحظ قد تصنع الفارق.
المنتخب الجزائري يملك عناصر شابة موهوبة تلعب في أكبر الدوريات الأوروبية، إضافة إلى لاعبين ذوي خبرة دولية كبيرة. التوازن بين الشباب والخبرة، التنظيم التكتيكي، والروح الجماعية، كلها عوامل قد تمكن الخضر من تقديم مفاجآت سارة في المونديال. صحيح أن نسبة 0.3% تبدو ضئيلة جداً للفوز باللقب، لكن الوصول إلى مراحل متقدمة من البطولة وتحقيق إنجاز تاريخي يبقى هدفاً واقعياً وممكناً إذا توفرت الظروف المناسبة.
في إنتظار القرعة
القرعة التي ستجرى بعد ثلاثة أيام ستكون محطة مهمة في مسار المنتخب الجزائري نحو المونديال، حيث ستحدد الخصوم الذين سيواجههم الخضر في دور المجموعات. قرعة محظوظة قد تفتح الطريق أمام تأهل مريح للأدوار الإقصائية، فيما قرعة صعبة ستضع المنتخب الوطني أمام تحدٍ كبير منذ الجولة الأولى. لكن أياً كانت نتيجة القرعة، فإن الخضر مطالبون بالتحضير الجيد والدخول بعقلية الفوز والمنافسة، لأن الاستسلام للتوقعات المتشائمة هو الطريق الأسهل نحو الفشل.
الجماهير الجزائرية تنتظر بفارغ الصبر انطلاق مغامرة المونديال، وتأمل في رؤية منتخبها يحقق إنجازاً تاريخياً في البطولة العالمية. الأرقام والإحصائيات قد تكون ضد الخضر، لكن الإيمان بالقدرة على صنع المفاجأة والإصرار على تحدي المستحيل هو ما يجب أن يميز مشاركة الجزائر في كأس العالم 2026. بيتكوفيتش ولاعبوه مطالبون بإسعاد ملايين الجزائريين وتشريف الألوان الوطنية، بغض النظر عما تقوله التوقعات والنسب المئوية.
في النهاية، كرة القدم تبقى لعبة مليئة بالمفاجآت والدراما، ولا أحد يمكنه التنبؤ بدقة بما سيحدث على أرضية الملعب. الجزائر تملك الفرصة، والباقي يتوقف على العمل الجاد والتحضير الجيد والإيمان بالنفس. من يدري، ربما تكون نسبة 0.3% كافية لصنع التاريخ وإسكات كل المشككين.


