10 ملايين يورو لـ90 دقيقة فقط: هل تستحق الوديات في الجزائر هذا الثمن الباهظ؟

مع تداول تقارير صحفية تفيد بأن المباريات الودية المرتقبة في تربص مارس 2026 للمنتخب الوطني الجزائري ستكون خارج أرض الوطن في إنجلترا أو في حال تعذر ذلك، أمام منتخبي الأوروغواي وكوستاريكا، يتصاعد النقاش حول جدوى اللعب في الجزائر من عدمه. العديد من المتابعين والمهتمين بالشأن الكروي الوطني يدفعون بضرورة برمجة هذه المواجهات داخل الملاعب الجزائرية لإشراك الجمهور ومنح اللاعبين دعماً معنوياً كبيراً، لكن الواقع يفرض معطيات مالية ورياضية معقدة تستدعي التفكير العميق قبل اتخاذ مثل هذا القرار الذي قد يكلف الاتحاد الجزائري لكرة القدم مبالغ طائلة دون عائد حقيقي يتناسب مع الاستثمار.

استضافة منتخب من التصنيف الأول العالمي على غرار الأوروغواي في الملاعب الجزائرية يستلزم دفع مبلغ مالي ضخم يتراوح بين 5 و10 ملايين يورو، وهو رقم مرتفع جداً بالنسبة لمباراة ودية واحدة لا تتجاوز مدتها 90 دقيقة. هذه المباريات لا تأتي مجاناً حتى لو كان المنتخب الضيف يرغب في اللعب ضدنا تحضيراً لكأس العالم أو أي استحقاق دولي آخر، لأن مثل هذه المواجهات تخضع لحسابات تسويقية ومالية دقيقة تفرضها الأندية الأوروبية التي تضم نجوم تلك المنتخبات، والتي تطالب بتعويضات مالية كبيرة نظير إطلاق سراح لاعبيها في فترات التوقف الدولي للمباريات الودية. المبلغ المطلوب يبدو مبالغاً فيه بشكل كبير، خاصة إذا ما قورن بالقيمة الفنية الحقيقية التي قد تعود على المنتخب الوطني من هذه المواجهة.

توجيه مبلغ بين 5 و10 ملايين يورو إلى برامج تطوير حقيقية للكرة الجزائرية يمثل خياراً أفضل بكثير من صرفه على 90 دقيقة قد لا تتجاوز قيمتها الجانب المعنوي فقط. هذا المبلغ الضخم يمكن استثماره في دعم فعال للفئات الشابة، أو تحسين البنية التحتية للملاعب والمراكز التدريبية، أو حتى تطوير برامج الإعداد البدني والتكتيكي للمنتخبات الوطنية في مختلف الفئات العمرية.

الاستثمار المحلي الذكي يحقق عوائد طويلة الأمد تفيد الكرة الجزائرية على مدى سنوات قادمة، بينما المباراة الودية الواحدة تبقى مجرد محطة عابرة قد لا تضيف الكثير على المستوى الفني الحقيقي، خاصة إذا لم تُلعب في ظروف مشابهة للمباريات الرسمية التي تنتظر الخضر.

اللعب في ملعب محايد بدلاً من الجزائر يحقق توازناً أفضل في المصالح الرياضية والمالية. عندما يتلقى المنتخب الجزائري دعوة للعب في دولة محايدة، غالباً ما تأتي هذه الدعوة مصحوبة بامتيازات إضافية مثل تغطية تكاليف السفر والإقامة، وأحياناً حتى مكافآت مالية لإقناع الاتحاد الجزائري بالمشاركة. هذه الامتيازات توفر على الاتحاد أعباء مالية كبيرة، وفي نفس الوقت تمنح المنتخب فرصة اللعب في ظروف أقرب للواقع الذي سيواجهه في المباريات الرسمية خارج أرضه. الواقعية يجب أن تكون فوق العاطفة والرغبة في إشراك الجمهور المحلي، فالهدف الأساسي من المباريات الودية هو الإعداد الأمثل للاستحقاقات الرسمية، وليس فقط تحقيق نتائج ودية قد تكون خادعة.

اللعب داخل الجزائر أمام منتخب كبير وسط دعم جماهيري هائل وحماس زائد قد يجعل المنتخب يقدم مباراة ممتازة توهم الجميع بأنه وصل إلى المستوى المطلوب، لكن هذه النتيجة قد تكون خادعة إلى حد بعيد. الواقع الحقيقي يظهر فقط عندما يلعب المنتخب في ظروف صعبة خارج أرضه، بدون دعم جماهيري، وأمام خصم قوي يفرض إيقاعه الخاص.

في مثل هذه الحالات، تنكشف الحقائق بوضوح، ويستطيع الطاقم الفني الوقوف بدقة على نقاط الضعف التي تحتاج إلى إصلاح قبل المواعيد الرسمية. المباريات الودية يجب أن تكون بمثابة اختبار حقيقي لقدرات اللاعبين، وليست مجرد فرصة للاحتفال بنتائج قد لا تعكس المستوى الفعلي للفريق.

الحل الأمثل يكمن في اعتماد برنامج مضبوط يبدأ باللعب أمام منتخب من التصنيف الأول في ملعب محايد لضبط الأمور الفنية والتكتيكية بعيداً عن ضغوط الجمهور والتوقعات الزائدة. بعد ذلك، يمكن برمجة مباراة داخل الجزائر أمام منتخب من التصنيف الثاني تكون بمثابة دفعة معنوية للاعبين وفرصة لمنحهم الثقة الكبيرة قبل التوجه للمحطات القادمة.

هذا النهج المتوازن يضمن الاستفادة الرياضية القصوى من التربص، مع الحفاظ على الموارد المالية واستثمارها بشكل عقلاني. في النهاية، دفع ما بين 5 إلى 10 ملايين يورو لمباراة ودية واحدة يبقى مبلغاً كثيراً جداً، خاصة عندما تتوفر بدائل أكثر جدوى تحقق الهدف نفسه بتكلفة أقل وعائد أكبر.