عشية التحضير لخوض غمار المشاركة الخامسة في تاريخ نهائيات كأس العالم، يعيش الوسط الكروي الجزائري ظاهرة غريبة وانقساماً غير مسبوق. فعوض أن تتوحد الصفوف وتتضافر الجهود لمساندة المنتخب الوطني بعيداً عن الحسابات الضيقة، غرق الكثيرون في مستنقع المقارنات التي لا طائل منها، متناسين حقيقة ثابتة؛ أن الأمر يتعلق دائماً بذات المنتخب وبنفس الراية الوطنية التي تُرفع عالياً في لحظات التتويج والنجاح، لتُخلد في سجلات التاريخ الكروي.
هوس الماضي.. ومقارنات تضر أكثر مما تنفع
إن أي إنجاز سيحققه “محاربو الصحراء” في الأراضي الأمريكية والمكسيكية والكندية، سيُحسب في النهاية للجزائر كدولة وكمنظومة، عكس ما يعتقده البعض ممن أصابهم هوس مرضي بالماضي، لدرجة دفعتهم للتحامل المستمر على التشكيلة الوطنية والخوض في مقارنات غير موضوعية.
وباتت العودة في كل مرة إلى فترة الناخب السابق أمراً غريباً ولا فائدة مرجوة منه اليوم. لا أحد ينكر أن المدرب السابق كتب التاريخ، ونصّب نفسه الأنجح بلقب قاري من خارج الديار وسلسلة لاهزيمة استمرت لأربع سنوات، قبل أن تشهد المرحلة الثانية من مشواره إخفاقات وتراجعاً في النتائج. ولكن بمجرد ذكر أي معلومة تخص الناخب الحالي، فلاديمير بيتكوفيتش، أو استعراض مشواره الإيجابي في المونديال، تنهال التعليقات السلبية ويسود تشاؤم عجيب يفتقد لأدنى معايير النقد البناء.
النقد البناء حق.. والمساندة المفتعلة خطر على المنتخب
مادام بيتكوفيتش هو المسؤول الأول عن العارضة الفنية، فإن الواجب الوطني والرياضي يفرض مساندته ودعم المنتخب، به أو بسواه. ومثلما تمنى البعض في الأمس القريب إقصاء المنتخب من كأس أمم إفريقيا 2024 لمجرد الإطاحة بالمدرب السابق، تطفو على السطح اليوم ذات الفئة التي تُغلّب نزواتها الشخصية على مصلحة الكرة الجزائرية.
وباتت الفئة المعتدلة، التي لا تنتمي لأي “حلف” افتراضي، تعاني وسط هذه الصراعات المخجلة والخرجات التهريجية. فبيتكوفيتش يُخطئ ويُصيب، ويستحق الانتقاد الفني في بعض خياراته مثلما يستحق الثناء في جوانب أخرى. غير أن تناسي المشوار الإيجابي في كأس أمم إفريقيا بالمغرب، والتقليل من حجم الفوز على منتخب عريق كالأوروغواي بوصفه “ضعيفاً”، والتركيز فقط على مباريات لا تُحتسب رياضياً (كمواجهة نيجيريا)، يمثل نموذجاً صارخاً لتحامل لا يليق بمن يعشق هذا الوطن بصدق. النقد ظاهرة صحية ومطلوبة، فقط حين يكون مجرداً من الخلفيات ومبنياً على قناعات كروية تخدم المصلحة العامة.
جيل ذهبي وتحديات مونديالية تتطلب الوحدة
لا يخفى على أحد أن منظومة الكرة المحلية تعاني من انهيار ومشاكل هيكلية عميقة، في ظل اتحادية ركزت معظم جهودها على المنتخب الأول. ولكن، وإلى حين إحداث إصلاحات شاملة وتغيير جذري، يبقى المنتخب الوطني في وادٍ آخر تماماً، فهو يمتلك اليوم جيلاً موهوباً من الطراز الرفيع، بقيادة أسماء واعدة كآيت نوري وبوداوي وغويري ومازة، قادرة على كتابة صفحة مجيدة في المونديال الأمريكي.
هذا الجيل يستحق بيئة نقية ودعماً مطلقاً، خاصة وأن التحدي المونديالي يتطلب تضافر الجهود لرفع راية التحدي في دور المجموعات. فمقارعة أبطال العالم، المنتخب الأرجنتيني، والتعامل مع الانضباط التكتيكي للنمسا، والوقوف في وجه الطموح الكبير للمنتخب الأردني، هي اختبارات من العيار الثقيل تتطلب تركيزاً ذهنياً عالياً وهدوءاً تاماً في محيط “الخضر”. الأمل لا يزال مشروعاً لرؤية النخبة الوطنية تؤدي دورة تاريخية لن ينساها الجزائريون والأفارقة، بعيداً عن سياسة التخندق والتحزب.


