في تطور دراماتيكي يعكس حجم الاحتقان داخل أروقة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف)، شهد اجتماع المكتب التنفيذي العادي المنعقد اليوم بالعاصمة المصرية القاهرة، تحولات مفصلية غير مسبوقة تمت تحت الرقابة المباشرة والصارمة للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
وقد تجلى هذا التدخل المباشر في الحضور الشخصي للأمين العام لـ “الفيفا”، ماتياس غرافستروم، الذي أخذ على عاتقه مهمة هندسة المشهد وضمان اكتمال النصاب القانوني للاجتماع، متواصلاً بشكل شخصي مع الأعضاء المقاطعين لإجبارهم على الحضور، في جلسة شهدت مشاركة 5 أعضاء عن بُعد عبر تقنية التحاضر المرئي، يتقدمهم رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم، وليد صادي. وتُوّجت هذه الجلسة العاصفة بإعلان الأمين العام المثير للجدل، “فيرون موسينغو أومبا”، رحيله رسمياً عن منصبه.
دهاء “فيرون” الأخير وبداية حقبة النيجيري “سامسون أدامو”
وأمام الضغوطات الكبيرة والمطالب الجماعية برحيله لتجاوزه السن القانونية وتورطه في أزمات متعددة، لجأ “فيرون” إلى خطوة استباقية تميزت بالدهاء، حيث سارع لتقديم استقالته في مستهل الاجتماع لامتصاص غضب التيار المعارض له وتجنب الإقالة المهينة.
وعقب هذا الشغور، سارعت الهيئة التنفيذية، بدعم قوي من المعارضة، إلى تعيين النيجيري “سامسون أدامو”، الذي كان يشغل منصب رئيس لجنة المسابقات، كأمين عام بالنيابة. وتوجهت بوصلة الاجتماع، بقيادة الرئيس باتريس موتسيبي، نحو إحداث ثورة هيكلية عاجلة، حيث تم تكليف الوافد الجديد بإعداد هيكل تنظيمي يشمل تشكيل لجنة تحكيم جديدة، وإعادة الاعتبار للمسؤولين الذين أطاح بهم سلفه بطرق تعسفية، وفي مقدمتهم الجيبوتي “ياسين عثمان روبله”، الذي كان إبعاده الشرارة الأولى في مخطط الإطاحة بالمنتخب السنغالي.
من “اتفاق كينشاسا” إلى “لجنة منتصف الليل”.. كيف حيكت المؤامرة ضد السنغال؟
وكشفت الكواليس عن تفاصيل المخطط المزدوج الذي قاده الأمين العام المغادر لتجريد السنغال من لقبها لصالح المغرب. بدأ السيناريو بـ “الخطة أ” (اتفاق كينشاسا)، التي تضمنت تعيين الكونغولي “سفاري كابيني” رئيساً للجنة التحكيم للتحكم في تعيينات الحكام وتوجيه المباريات، وهو ما فشل ميدانياً أمام صلابة السنغاليين. ليلجأ “فيرون” إلى “الخطة ب” والأكثر خطورة، والمتمثلة في الإبعاد التعسفي لمسؤول الأجهزة القانونية الجيبوتي وتعيين الطوغولي “سيديريك أغاي” مكانه، بهدف تفصيل “لجنة استئناف على المقاس”. هذه اللجنة، التي اجتمعت في ظروف غامضة وتوقيت مريب (السابعة صباحاً في شهر رمضان)، قامت بتهميش الدفاع السنغالي ووضعه على “قائمة الانتظار” الافتراضية، قبل أن تصدر قراراً بدا وكأنه مطبوخ سلفاً بمنح اللقب للمغرب، وهو ما كان العضو السنغالي “سينغور” قد حذر منه رئيس “الكاف” في رسالة نصية استباقية كشفتها صحيفة الغارديان.
التصعيد السنغالي وتساؤلات حول مستقبل “الكرنفال الإفريقي”
وأمام هذه الخروقات الإجرائية الفادحة التي قادها رجل “فاقد للشرعية القانونية” لتجاوزه السن المسموح، لم تقف السنغال مكتوفة الأيدي.
فقد أعلن “سينغور” صراحة لجوء بلاده إلى محكمة التحكيم الرياضي الدولي (تاس) لاسترجاع حقها المسلوب، ملوحاً بتصعيد غير مسبوق يتمثل في جرّ 5 أعضاء من “الكاف”، وعلى رأسهم الأمين العام السابق، أمام محكمة جنائية أمريكية، في خطوة تهدف لإعادة استنساخ “زلزال الفيفا” المدمر لعام 2015.
ومع بداية هذا التدخل المباشر لـ “فيفا” في دواليب الكرة الإفريقية لمحاولة ترتيب البيت الداخلي، يبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه المتابعون: من سيحكم “الكاف” فعلياً في مرحلة ما بعد “فيرون”؟ وهل ستنجح “فيفا” في إيقاف عبث “الكرنفال الإفريقي”، أم أن الوجوه الفاسدة المتجذرة ستجد طريقاً جديداً للالتفاف على القوانين؟


