رغم أن الانتصارات العريضة أمام منتخبات متواضعة نسبياً مثل غواتيمالا (7-0) قد تجعل من التحليل الفردي الدقيق مهمة معقدة، إلا أن السهرة الكروية بملعب “لويجي فيراريس” كانت كتاباً مفتوحاً لقراءة الأفكار التكتيكية للناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش. لقد أظهرت المواجهة أن الإطار الفني لـ “محاربي الصحراء” لم يكن يبحث فقط عن نتيجة عريضة، بل كان يهدف لترسيخ هوية لعب واضحة المعالم، وتجريب ميكانيزمات تكتيكية دقيقة استعداداً للاختبار المعياري الأكبر أمام منتخب الأوروغواي، بطل العالم في مناسبتين. وقد اعتمد بيتكوفيتش على رسم خططي كلاسيكي (4-2-3-1)، لكنه طبقه بأدوار مركبة وديناميكية عالية، خاصة في عمليات البناء من الخلف وخلق الزيادة العددية.
مرونة تكتيكية في الأروقة وبناء هجومي يعتمد على “المحطة” غويري
تجلت عبقرية بيتكوفيتش التكتيكية في هذه المباراة من خلال التوظيف المتباين للأظهرة لخلق التوازن. فقد تم تثبيت المدافع الأيمن الشاب أشرف عبادة للقيام بأدوار دفاعية صارمة (على غرار دور سمير شرقي)، وهو ما سمح للظهير الأيسر ريان آيت نوري بالدخول إلى عمق خط الوسط أثناء عملية البناء الهجومي عند تعقّد الحلول.
هذا الدخول التكتيكي لآيت نوري، ترافق مع توجه لاعب الارتكاز رامز زروقي لطلب الكرة يساراً، مما خلق مساحات شاسعة في الرواق الداخلي انقض عليها السريع محمد الأمين عمورة.
وفي الخط الأمامي، لعب أمين غويري دوراً مركباً بامتياز؛ فهو لم يكتفِ بدور المهاجم الهداف، بل كان “مهاجم محطة” بارع في الكرات العالية بفضل قدرته على حماية الكرة بظهره، كما ساهم في سحب المدافعين لخارج المنطقة، مما أتاح لحسام عوار التقدم المستمر لإنهاء الهجمات في العمق بتمريرات حاسمة وذكية.
تقييم أداء لاعبي المنتخب الوطني (تنقيط من 6 إلى 10)
بناءً على المعطيات التكتيكية، ومساهمة كل لاعب في تطبيق مبادئ اللعب التي فرضها بيتكوفيتش (كالبناء من الخلف، وتقليل المساحات بين الخطوط)، إليكم تنقيطاً تفصيلياً لأبرز العناصر المشاركة:
- أمين غويري (9.5/10) – رجل المباراة: أداء مثالي واستثنائي. سجل هدفين، تسبب في ركلة جزاء، ولعب دور صانع الألعاب والمحطة الهجومية بامتياز. تحركاته خارج منطقة العمليات كانت المفتاح التكتيكي لاختراق دفاع غواتيمالا.
- أشرف عبادة (8.5/10): ظهور أول للذكرى. فرغم منصبه الأصلي في المحور، أدى دوره كظهير أيمن دفاعي بثبات، وكلل مجهوداته بهدف سينمائي رائع، مطبقاً تعليمات التثبيت الدفاعي بصرامة.
- ياسين تيطراوي (8.5/10): اكتشاف حقيقي في خط الوسط. أظهر حضوراً بدنياً لافتاً وقدرات هائلة في استقبال الكرة والبحث المستمر عن التمرير العمودي لكسر الخطوط، وكان قريباً جداً من تقديم تمريرتين حاسمتين.
- حسام عوار (8.0/10): أكد تجاوزه لفترة الفراغ التي عانى منها الموسم المنصرم. استغل تحركات غويري بذكاء للتوغل في مناطق الخصم، وسجل هدفاً جميلاً، مؤدياً دور صانع الألعاب خلف المهاجم بكفاءة.
- ريان آيت نوري (8.0/10): مستوى ثابت وممتاز كالعادة. أدى دوره كظهير وهمي (Inverted Fullback) ببراعة، ودخوله لعمق الوسط ساعد كثيراً في عملية بناء اللعب.
- رامي بن سبعيني وزين الدين بلعيد (7.5/10): ثنائية متماسكة في المحور. كانا في المستوى المطلوب، ساهما في البناء من الخلف والتأمين الدفاعي وتقليل المساحات بفعالية.
- ميلفين ماستيل (7.0/10): حافظ على نظافة شباكه، والأهم أنه طبق شرط بيتكوفيتش الأساسي بالمساهمة الفعالة والسليمة في عملية بناء اللعب من الخلف.
- البدلاء (غجيميس وبن بوعلي) (7.5/10): اندماج سريع وذكي في المنظومة، حيث تُرجم هذا الدخول القوي بتسجيل كل منهما لهدف في الدقائق الأخيرة من عمر اللقاء.
- رياض محرز (6.5/10): رغم تسجيله للهدف الثاني من ركلة جزاء، إلا أنه ظهر جلياً تأثره بفترة الفراغ ونقص المنافسة، ولم يقدم الإضافة المعتادة من الرواق الأيمن.
- محمد الأمين عمورة (6.0/10): عانى هو الآخر من فترة فراغ واضحة، ورغم الاعتماد على سرعته في الارتداد، إلا أن لمسته الأخيرة واختراقاته افتقدت للنجاعة المعهودة.
- رامز زروقي (6.0/10): مردود متواضع مقارنة بتطلعات خط الارتكاز. بدا عاجزاً عن تقديم حلول “جديدة” أو تسريع رتم اللعب في التحولات، واكتفى بالتمرير العرضي.


