شهدت المواجهة الافتتاحية للمنتخب الوطني الجزائري لأقل من 17 سنة في دورة اتحاد شمال إفريقيا (UNAF) فوزاً كاسحاً وعريضاً على حساب نظيره منتخب ليبيا بنتيجة استقرت على خمسة أهداف مقابل هدف وحيد. هذا الانتصار الكبير وضع المتابعين والنقاد أمام قراءتين متناقضتين تستحقان التوقف؛ فبينما يرى البعض في هذه النتيجة دليلاً قاطعاً على قوة هذا الجيل وامتلاكه لترسانة من المواهب الصاعدة القادرة على اكتساح الخصوم، يميل الشق التحليلي الأكثر واقعية إلى التريث وعدم الانجراف وراء نشوة النتيجة، معتبراً أن المنتخب الليبي لم يظهر بالمستوى الفني والبدني الذي يجعله مقياساً حقيقياً لتقييم قوة أشبال “الخضر”. ورغم هذا التباين في الآراء حول حجم المنافس، إلا أن المباراة شكلت محطة استكشافية بامتياز، أفرزت أسماءً واعدة قدمت أوراق اعتمادها بقوة على المستطيل الأخضر.
ياسين عابد.. خريج مدرسة بارادو يجسد مفهوم الجناح العصري بامتياز
من بين أبرز المكاسب التي خرج بها الجمهور الجزائري من هذا اللقاء الاستكشافي، يبرز اسم اللاعب الموهوب ياسين عابد، خريج أكاديمية بارادو العريقة التي لطالما أمدت المنتخبات الوطنية بخيرة اللاعبين. لقد أعطى عابد الانطباع الفوري بأننا أمام جناح أيسر من طراز رفيع، يمتلك فنيات فردية عالية تجعله قادراً على صناعة الفارق في أي لحظة. ما يميز هذا اللاعب الشاب ليس فقط مهارته في ترويض الكرة، بل جرأته الهجومية الواضحة وتوجهه المباشر نحو المدافعين والمرمى دون أي تردد أو فلسفة زائدة، وهو الأسلوب المباشر الذي يجعله عنصراً مؤثراً وفعالاً للغاية في المنظومة الهجومية للمنتخب، ومفتاحاً تكتيكياً قادراً على فك شفرات الدفاعات المتكتلة في المواعيد القادمة.
فالمي محمد.. قناص رين الفرنسي الذي أعاد تعريف دور المهاجم الصريح
وإلى جانب التألق على الأطراف، أظهرت المواجهة امتلاك المنتخب الوطني لقطعة أساسية طالما بحثت عنها الفئات السنية، وتتمثل في المهاجم الصريح فالمي محمد، المحترف في صفوف نادي رين الفرنسي. لم يكن تسجيله لهدفين في هذه الموقعة مجرد صدفة أو نتاج ضعف دفاعي للمنافس فحسب، بل كان انعكاساً لتحركاته الذكية ووعيه التكتيكي العالي. فمن خلال تمركزه الدقيق، وطريقته المثالية في إنهاء الهجمات، ومشاركته الفعالة في بناء اللعب، أثبت فالمي أنه يمتلك اللمسة القاتلة داخل منطقة الجزاء التي تميز المهاجمين الكبار. لقد منح الخط الأمامي للمنتخب عمقاً هجومياً وتنوعاً في الحلول، ليؤكد أن التكوين الأوروبي العالي الذي يتلقاه بدأ يؤتي ثماره بشكل واضح ومباشر على أداء التشكيلة الوطنية.
نشوة الانتصار تتطلب الحذر.. المواعيد الكبرى هي الميزان الفعلي للتشكيلة
رغم سحر الفرديات وغزارة الأهداف، يبقى التقييم الشامل والعقلاني للمنتخب الوطني تحت 17 سنة مرهوناً بالمواجهات القادمة. إن الفوز العريض على ليبيا يعتبر انطلاقة معنوية ممتازة وجرعة ثقة ضرورية للاعبين الشبان، لكن الاحتكام إلى هذا اللقاء وحده يظل قاصراً. المقياس الحقيقي لمدى صلابة هذا المنتخب، وتماسكه الدفاعي، وقدرته على تحمل الضغط العالي، سيظهر بوضوح عندما يصطدم بمنافسين أقوى يمتلكون تنظيماً تكتيكياً أمتن وبنية فيزيولوجية أصعب. حينها فقط، في تلك الاختبارات المعقدة، سنستطيع أن نحكم بشكل أفضل ونهائي على مدى جاهزية هذه المواهب لرفع التحدي القاري وبلوغ نهائيات كأس أمم إفريقيا للناشئين.


