خطاب إسماعيل بن ناصر يعيد إلى الواجهة واحداً من أهم أسرار تتويج الجزائر بكأس أمم إفريقيا 2019، حين لعبت الكلمات الحماسية لجمال بلماضي الدور الخفي في تحويل النهائي أمام السنغال من مجرد مباراة إلى قضية وجود بالنسبة للاعبين. بن ناصر كشف أن المدرب ذكّرهم بأن ما سيعيشونه تلك الليلة قد لا يتكرر مرة أخرى في مسيرتهم، وأن نهائي الكان ليس حدثاً مضمُون التكرار حتى للجيل الذهبي، وهو ما جعل المجموعة تدخل الملعب بإحساس “الفرصة الأخيرة” لا مجرد 90 دقيقة من كرة القدم.
بن ناصر يروي خطاب غرفة الملابس
في شهادته، تحدث بن ناصر عن جملة حاسمة وجّهها إليه بلماضي شخصياً: “يا إسماعيل، عمرك 21 عاماً وقد لا تخوض نهائي كأس أمم إفريقية آخر”، في رسالة صادمة إيجابياً تضع اللاعب الشاب أمام مسؤولية تاريخية، بعيداً عن فكرة “الوقت ما زال أمامك”. كما التفت المدرب إلى عدلان قديورة، صاحب الثالثة والثلاثين حينها، ليقول له إن هذا النهائي قد يكون الأول والأخير في مسيرته، في تذكير فجّ بحدود الزمن حتى بالنسبة للمخضرمين. بين خطاب الشاب والمخضرم، بنى بلماضي جسراً عاطفياً جمع غرفة الملابس حول هدف واحد: لا مجال لإهدار هذه الفرصة.5572.jpg
60 مليون جزائري… ضغط تحوّل إلى وقود
العبارة الأبرز في رواية بن ناصر كانت حين قال بلماضي للاعبين إن “50 أو 60 مليون جزائري حول العالم ينتظرونكم، وإذا كان هناك يوم لا يمكنكم فيه تحمل الفشل فهو اليوم”. هذه الجملة نقلت ثقل المنتخب من مجرد تمثيل رياضي إلى تجسيد آمال شعب كامل، وهو ما جعل اللاعبين – بحسب بن ناصر – يخرجون من غرفة الملابس وقد استغنوا حتى عن الحديث فيما بينهم، لأن الخطاب وحده كان كافياً لشحنهم ذهنياً ونفسياً. بهذا المعنى، لم يكن السر في الخطة فقط، بل في كيفية تحويل الضغط الشعبي الهائل إلى مصدر طاقة إيجابية بدل أن يتحول إلى عبء وشلل داخل الملعب.5572.jpg
هل يكرر بيتكوفيتش “درس القاهرة” في كان 2025؟
السؤال اليوم هو ما إذا كان فلاديمير بيتكوفيتش قادراً على إعادة إنتاج هذا النوع من الخطاب في كأس إفريقيا 2025 بالمغرب، مع جيل يعيش تحت ضغط “محو خيبات” 2021 و2023. من خلال مساره مع الخضر، أظهر بيتكوفيتش شخصية هادئة وعقلانية تميل إلى الخطاب التكتيكي أكثر من العاطفة، لكنه في الوقت نفسه يدرك – كما صرّح في أكثر من مناسبة – أن الجزائر تحتاج إلى “انبعاث نفسي” بقدر حاجتها إلى تنظيم تكتيكي. ومع تراكم 20 مباراة و15 انتصاراً في سجله، بات يملك الرصيد الذي يسمح له بالحديث بثقل في غرفة الملابس، بشرط أن يجد اللغة العاطفية المناسبة لخصوصية اللاعب الجزائري.
سر التتويج بين الكلام والأداء
تجربة 2019 تثبت أن الخطاب لوحده لا يكفي، لكنه كان “المفتاح الأخير” الذي أغلق دائرة العمل الفني والبدني وفتح باب التتويج. اليوم، يملك بيتكوفيتش أرقاماً قوية قبل الكان، لكنه بحاجة إلى لحظة مماثلة في غرفة الملابس توحّد المجموعة حول فكرة واحدة: أن نسخة المغرب قد تكون الفرصة الذهبية لهذا الجيل لاستعادة الهيبة القارية. إذا نجح في إيجاد تلك الجملة التي تلمس قلب بن ناصر وزملائه كما فعل بلماضي، فقد يجد “سر القاهرة” طريقه للتكرار، لكن بنكهة جديدة وبصوت مدرب مختلف، فيما يبقى الحكم النهائي دائماً داخل المستطيل الأخضر.


