حفيظ دراجي يودّع مبولحي: “ترجّل فارس العرين وبقي المجد شاهدًا”

في لحظة مؤثرة تختزل أكثر من عقدٍ من المجد والعطاء، ودّع الإعلامي والمعلّق الرياضي الجزائري حفيظ دراجي الحارس الدولي رايس وهاب مبولحي بعد إعلان هذا الأخير اعتزاله كرة القدم نهائياً، واضعاً نقطة النهاية لمسيرة أسطورية امتدت لأكثر من عشرين عاماً من الإخلاص والتألق تحت راية الجزائر.
دراجي، الذي لطالما رافق المنتخب في لحظاته الخالدة، اختار كلماتٍ تحمل في طياتها وفاء العُمر وحزن الوداع، مؤكداً أن الجزائر فقدت أحد أبرز فرسانها وأوفى حُماة عرينها، وأن مبولحي لم يكن مجرد لاعب، بل رمزاً للثبات والشجاعة والتضحية في أحلك الظروف التي مر بها المنتخب الوطني.

عندما تُذكر أمجاد الكرة الجزائرية الحديثة، تتقدّم ملحمة ألمانيا في كأس العالم 2014 باعتبارها لحظة فارقة أعادت للكرة الجزائرية هيبتها عالمياً. في تلك الليلة، تصدّى مبولحي لوابل من الهجمات أمام جيل ألماني كان في طريقه لرفع الكأس العالمية، مقدماً واحداً من أعظم عروض حراس المرمى في تاريخ المونديال.
لم تكن تلك المباراة مجرد مواجهة كروية، بل كانت عرضَ شجاعةٍ استثنائية جسّدها الحارس المتألق، الذي حمل على كتفيه آمال الملايين ورفع راية الجزائر بين كبار العالم. ومن تلك الملحمة، واصل مبولحي كتابة فصول المجد مع “محاربي الصحراء”، وصولاً إلى لقب كأس الأمم الإفريقية 2019، حين كان أحد أبرز عناصر التتويج في بطولة كتب فيها المنتخب الجزائري قصة نجاحٍ جماعية عنوانها العزيمة والإيمان.

عن عمر 39 عاماً، أعلن رايس وهاب مبولحي إسدال الستار على مسيرته الكروية، واضعاً نقطة النهاية لرحلة امتدت بين 16 نادياً عبر أربع قارات. تنقّل الحارس الجزائري بين تجارب مميزة في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا، لكنه ظل وفياً لشعار المنتخب الذي حمله بفخرٍ في أكثر من 90 مباراة دولية.
ورغم ختام مشواره دون حفل تكريم رسمي يليق بعطائه، إلا أن وداع الجماهير له على مواقع التواصل الاجتماعي كان أبلغ من أي تكريمٍ مؤسساتي. الآلاف استعادوا تصدياته الخالدة، وذكّروا بلحظات الفخر التي عاشها الجزائريون بفضل قفازيه.

اليوم، يفتتح مبولحي فصلاً جديداً في رحلته مع الكرة، حيث بدأ مرحلة التكوين في مجال تدريب حراس المرمى بالمملكة العربية السعودية، ناقلاً خبرته وتجربته إلى جيلٍ جديد قد يسير على خطاه.

“العرين سيبقى شاهداً على رجلٍ أدّى الأمانة بإخلاص وكتب اسمه بأحرف من ذهب”، بهذه العبارة ختم حفيظ دراجي رسالته، موجهاً تحية وفاء إلى حارسٍ لم يعرف سوى لغة التضحية. فمهما ابتعد مبولحي عن الأضواء، سيظل اسمه خالداً في ذاكرة الكرة الجزائرية، شاهداً على حقبةٍ مجيدة صنعت لحظات فخرٍ لا تُنسى لجماهير الخُضر.

لعل النهاية ليست وداعاً، بل بداية لمغامرة جديدة خارج المستطيل الأخضر، حيث يواصل فارس العرين أداء رسالته، هذه المرة من موقع المُكوِّن والمُلهم، لمن سيحرسون المرمى بعده بروحٍ من فخرٍ صنعه بيديه.