هل نستطيع التسجيل بدون عمورة؟ هزيمتان فقط لبيتكوفيتش وكلاهما في غيابه!

يدخل المنتخب الوطني الجزائري مواجهته الودية أمام السعودية، مساء الثلاثاء 18 نوفمبر 2025، وهو يفتقد لأحد أبرز أسلحته الهجومية، بل ربما الأهم على الإطلاق في الفترة الحالية. محمد أمين عمورة، الاسم الذي بات مرادفاً للفعالية التهديفية والحسم الهجومي، سيغيب عن التشكيلة رفقة هشام بوداوي، في قرار فني يطرح أكثر من علامة استفهام حول قدرة الخضر على تقديم أداء هجومي مقنع دون هدافهم الأول. فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل تمتلك الجزائر خطة بديلة حقيقية عن عمورة، أم أن المنتخب أصبح رهيناً لأقدام نجم فولفسبورغ الألماني؟

لفهم حجم الفراغ الذي سيتركه غياب عمورة، يكفي إلقاء نظرة على الأرقام التي حققها خلال العام الجاري. ففي سنة 2025، لم يكن عمورة مجرد مهاجم فعّال للمنتخب الوطني، بل كان الأكثر تأثيراً على مستوى القارة الإفريقية بأكملها. بـ14 مساهمة مباشرة موزعة بين 11 هدفاً وثلاث تمريرات حاسمة، يتصدر ابن مدينة الطاهير قائمة اللاعبين الأفارقة الأكثر فعالية، متفوقاً حتى على نجوم كبار مثل النيجيري فيكتور أوسيمين الذي يملك 9 مساهمات فقط.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات جافة، بل هي انعكاس حقيقي لقيمة فنية استثنائية ولدور محوري داخل منظومة المدرب فلاديمير بيتكوفيتش. عمورة لا يسجل الأهداف فحسب، بل يصنعها أيضاً، ويفتح المساحات لزملائه، ويُشكل نقطة ارتكاز هجومية تدور حولها معظم الكرات الخطرة للخضر. وقد أكد ذلك مرة أخرى قبل ثلاثة أيام فقط أمام زيمبابوي، حين وقّع على هدفين وأضاف تمريرة حاسمة، في عرض فني لافت أظهر مدى جاهزيته البدنية والذهنية.

عند الغوص أكثر في أرقام تصفيات كأس العالم 2026، يتضح حجم الاعتماد الكبير على عمورة بشكل لا يقبل الشك. فقد أنهى اللاعب الحملة التصفوية متصدراً لترتيب الهدافين بعشرة أهداف كاملة، مضيفاً إليها أربع تمريرات حاسمة، وهو ما يعني أنه ساهم في 14 هدفاً من أصل 24 هدفاً سجلها المنتخب الوطني خلال التصفيات. بعملية حسابية بسيطة، نجد أن عمورة مسؤول بمفرده عن قرابة 60% من الإنتاج الهجومي للخضر، وهو رقم استثنائي بكل المقاييس، ويضعه في خانة اللاعبين النادرين الذين يحملون فرقهم الوطنية على أكتافهم.

هذا المعدل المرتفع من المساهمة المباشرة يطرح سؤالاً جوهرياً حول البدائل المتاحة. فإذا كان لاعب واحد يُنتج أكثر من نصف أهداف منتخبه، فهذا يعني أن الفريق إما يفتقر إلى عمق هجومي كافٍ، أو أن مستوى عمورة الفردي مرتفع جداً لدرجة أنه يحجب بقية المهاجمين. وفي كلتا الحالتين، فإن غيابه عن أي مباراة يُمثل خسارة فادحة يصعب تعويضها بسهولة.

لكن الأرقام الأكثر دلالة على أهمية عمورة ليست فقط ما يُقدمه حين يكون موجوداً، بل ما يحدث للمنتخب حين يغيب. منذ توليه المسؤولية الفنية للخضر، حقق بيتكوفيتش رصيداً مُبهراً من 14 انتصاراً وثلاثة تعادلات في 19 مباراة، لكنه تكبد هزيمتين فقط. والمفاجأة، أو ربما ليست مفاجأة بالنظر إلى ما سبق، أن كلتا الهزيمتين جاءتا في غياب عمورة عن التشكيلة الأساسية.

الهزيمة الأولى كانت أمام غينيا بنتيجة (1-2)، في مباراة دخل فيها عمورة بديلاً بعد الدقيقة الستين، بعدما كان الفريق يُعاني هجومياً ويبحث عن حلول لم يجدها في الثلثين الأولين من اللقاء. الهزيمة الثانية كانت أمام السويد بنتيجة (4-3)، وهي المباراة التي غاب عنها عمورة تماماً بسبب الإصابة، وشهد فيها الخضر تراجعاً واضحاً في الفعالية الهجومية رغم تسجيلهم لثلاثة أهداف.

هذه المعطيات تُشكل نمطاً واضحاً لا يمكن تجاهله: المنتخب الوطني حين يبدأ بعمورة في التشكيلة الأساسية، يكون شبه منيع، أما حين يغيب أو يبدأ على مقاعد البدلاء، فإن النتائج تتأثر بشكل ملموس. هذا الارتباط الوثيق بين وجود اللاعب والنتائج الإيجابية يضع بيتكوفيتش أمام تحدٍ حقيقي اليوم، فهو مطالب بإثبات أن لديه خطة هجومية قائمة على المنظومة الجماعية، وليس على الفردية المتألقة لنجم واحد.

تُمثل مواجهة السعودية، رغم طابعها الودي، فرصة مثالية لبيتكوفيتش كي يُجيب على أسئلة مُلحة حول عمق الخزان الهجومي للمنتخب. فالمدرب البوسني، الذي نجح في بناء منظومة تكتيكية متماسكة وحقق نتائج مبهرة منذ قدومه، سيكون مُطالباً بإيجاد حلول بديلة تُخفف من الاعتماد شبه المطلق على عمورة. هل سيمنح الفرصة لمهاجمين آخرين لإثبات أنفسهم؟ هل سيُغير الخطة التكتيكية لتتناسب مع غياب القاطرة الأمامية؟ أم سيكتفي بالحلول المعتادة التي قد لا تُعطي النتيجة ذاتها؟

من جهة أخرى، تُعد هذه المباراة فرصة ذهبية للاعبين الآخرين لإثبات أنهم قادرون على حمل المسؤولية الهجومية في غياب النجم الأول. فالمنتخبات الكبيرة لا تعتمد على لاعب واحد، مهما بلغت عبقريته، بل تمتلك بدائل قادرة على سد الفراغ وتقديم مردود قريب من المستوى المعتاد. وإذا فشل الخضر في تحقيق أداء هجومي مقنع اليوم، فإن ذلك سيُشكل ناقوس خطر حقيقي بالنسبة لبيتكوفيتش، الذي سيُدرك أن فريقه يحتاج إلى تنويع مصادر الخطورة الهجومية قبل الاستحقاقات الكبرى القادمة.

يعيش محمد أمين عمورة بلا شك أفضل فترات مسيرته الدولية، وأرقامه تضعه في مصاف أفضل المهاجمين الأفارقة حالياً. لكن هذا التألق الفردي يحمل في طياته قلقاً مشروعاً حول مستقبل المنتخب في حال تعرض اللاعب لإصابة طويلة أو انخفاض في المستوى، وهي أمور واردة في عالم كرة القدم. لذلك، يبدو أن الوقت قد حان لبناء منظومة هجومية أكثر توازناً، تستفيد من عبقرية عمورة دون أن تُصبح رهينة لوجوده.

مواجهة اليوم أمام السعودية ليست مجرد ودية عابرة، بل هي اختبار حقيقي لجاهزية المنتخب الوطني، ومرآة تعكس مدى قدرة بيتكوفيتش على إدارة الأزمات وإيجاد الحلول البديلة. والسؤال الأهم الذي سيُجيب عنه اللقاء هو: هل يمتلك الخضر خطة “ب” فعلية، أم أن عمورة هو الخطة “أ” و”ب” و”ج” في آن واحد؟