أثارت النتائج المتباينة والمفاجئة للمنتخب الوطني الجزائري في نهائيات كأس العالم 2026 موجة من النقاشات الحادة داخل الأوساط الكروية الجزائرية حول الهوية الفنية المستقبلية لـ “الخضر”. ومع بحث الاتحادية عن ورقة طريق جديدة، انقسم الشارع الرياضي بين معجب بالنموذج المصري القائم على القوة المحلية، ومبهور بالنموذج المغربي المعتمد على الطيور المهاجرة. فما هي الحقيقة الفنية وراء نجاح هذين النموذجين؟ وهل يكمن الحل في استنساخ أحدهما، أم أن للنجاح أسراراً أخرى؟
وهم المقارنة: “الصلابة المحلية” ضد “الجودة الأوروبية”
أدى الأداء البطولي الذي قدمه المنتخب المصري في المونديال إلى تعالي الأصوات المنادية بمنح الفرصة كاملة للاعب المحلي، والاعتماد على أسماء ترعرعت في البطولة الوطنية، ظناً من البعض أن تطبيق هذه الوصفة في الجزائر سيضمن لنا التألق الفوري.
وفي المقابل، قاد التميز المستمر للمنتخب المغربي في المحفل العالمي إلى حديث معاكس تماماً؛ يرى أصحابه أن الاستثمار في المغتربين الذين ينشطون في الضفة الأخرى هو الحل الأمثل والضمان الوحيد للنجاح، بفضل التكوين التكتيكي العالي في المدارس الأوروبية.
هذا التناقض الصارخ يؤكد أننا أمام نموذجين مختلفين تماماً، لكنهما نجحا معاً، مما يعني أن المسألة لا تتعلق أبداً بقضية “مغترب أو محلي”.
السر الحقيقي: الجودة الفنية ومدرب يصنع “المجموعة”
إن النقطة الجوهرية والفيصل في عالم كرة القدم الحديثة ليست “الصفة” أو مكان الولادة والنشأة، بل هي الجودة الفنية (Quality) أولاً، ووجود مدرب ذكي ثانياً؛ قائد فني قادر على إخراج أفضل ما لدى اللاعبين، وصهر الفرديات في بوتقة “المجموعة” لخلق توليفة قوية ومتجانسة فوق المستطيل الأخضر.
اللاعب الموهوب والجاهز بدنياً وتكتيكياً يفرض نفسه بغض النظر عن الدوري الذي ينشط فيه، والمدرب الحقيقي هو من يختار الأنسب للمنظومة لا الاسم أو الخلفية.
تاريخ الخضر يمنحنا الجواب: “المزيج المتجانس” هو الحل
إذا عدنا إلى كتاب التاريخ القريب والبعيد للمنتخب الوطني الجزائري، سنجد أن أبرز ملاحمنا الكروية لم تتحقق بنموذج أحادي، بل بُنيت على أساس المزيج المتجانس بين المدرسة المحلية والمغتربة:
- نهائي كأس إفريقيا 2019: عندما تُوج “الخضر” باللقب القاري في مصر، كان التعداد الأساسي في الميدان يضم 4 لاعبين تخرجوا من البطولة المحلية ثم احترفوا في الخارج، إلى جانب 7 لاعبين مغتربين.
- ملحمة ألمانيا في مونديال 2014: في تلك المباراة التاريخية في ثمن النهائي ضد أبطال العالم، اعتمد المنتخب على نفس العدد والتوليفة تقريباً، مما أثمر أداءً أبهر العالم.
الجودة والاختيار أهم من الصفة
على الاتحاد الجزائري لكرة القدم (الفاف) والناخب الوطني الجديد أن يدركوا جيداً بأن بناء منتخب تنافسي تحضيراً لتصفيات كأس أمم إفريقيا 2027 لا يجب أن يخضع للعواطف أو الشعارات الجاهزة مثل “الاعتماد الكلي على المحليين” أو “الاستيراد الكامل للمغتربين”.
الخطوة الصحيحة الآن هي البحث عن الجودة، والاعتماد على معيار الجاهزية والروح القتالية؛ فالمحلي الجائع للنجاح والمغترب الشاب المكون في أعلى مستوى هما جناحا الطائر الذي سيحلق بالكرة الجزائرية مجدداً، متى ما وُجد المدرب الذي يعرف كيف يمزج بينهما بذكاء.



التعليقات