تتجه بوصلة كرة القدم العالمية نحو مرحلة جديدة من الصراعات الإدارية الدامية خلف الكواليس، حيث يبدو أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) قد اتخذ قراراً حاسماً بإنهاء حقبة الهدوء الحذر وفتح جبهة مواجهة مباشرة مع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، السويسري جياني إنفانتينو. ولم تعد الخلافات محصورة في الأروقة المغلقة أو مقتصرة على التباين في وجهات النظر حول أجندة المباريات والمسابقات الجديدة، بل تحولت إلى محاولة جادة لتجريد رئيس أعلى هيئة كروية في العالم من شرعيته عبر فتح أوراق ومعاملات مالية وإدارية قديمة تعود إلى فترة توليه منصب الأمين العام للاتحاد الأوروبي.
نبش الملفات القديمة والتحقيق في الشفافية
تتجه نية الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلى إجراء مراجعة دقيقة وشاملة لطريقة تسيير جياني إنفانتينو خلال السنوات الست عشرة التي قضاها داخل أروقة “اليويفا”. وتستهدف هذه الخطوة الاستقصائية فحص سلسلة من القرارات والتسويات المالية التي تم اتخاذها آنذاك، لمعرفة مدى توافقها مع معايير الحوكمة والنزاهة الإدارية. ويعكس هذا التوجه رغبة أصحاب القرار في القارة العجوز في استخدام أسلوب “التدقيق الرجعي” لجمع أدلة قد تشكل ضغطاً قانونياً وأخلاقياً يربك موقف إنفانتينو على رأس الهيئة الدولية، خاصة في ظل استمراره في قيادة الفيفا بثبات.
ورقة ضغط أخلاقية في المعركة
من بين أبرز الملفات التي يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تسليط الضوء عليها والتوسع في التحقيق بشأنها، قضية تتعلق بموظفة سابقة في “اليويفا” يُقال إنها كانت تربطها علاقة خاصة بإنفانتينو. وتتركز التساؤلات حول طبيعة الامتيازات والتسهيلات المالية والمكافآت الاستثنائية التي حصلت عليها المعنية عند مغادرتها لمنصبها، بالإضافة إلى تمويل الحصول على شهادة دراسية عليا من إحدى المدارس المرموقة على نفقة الاتحاد القاري. ويهدف الخصوم من تحريك هذا الملف تحديداً إلى توجيه ضربة لمصداقية الشفافية التي طالما نادى بها إنفانتينو منذ جلوسه على عرش الفيفا أعقاب أزمات الفساد الشهيرة عام 2015.
ما خفي كان أعظم
إن هذا التصعيد المتسارع بين نيون (مقر اليويفا) وزيورخ (مقر الفيفا) لا يمكن فصله عن الصراع المحموم حول السيطرة على موارد كرة القدم العالمية وأجندة البطولات. فالاتحاد الأوروبي ينظر ببالغ القلق إلى التوسع المستمر لمسابقات الفيفا، وعلى رأسها مونديال الأندية بنظامه الجديد وتوسيع بطولة كأس العالم للمنتخبات، وهو ما يراه القائمون على “اليويفا” تهديداً مباشراً لقيمة وهيبة البطولات القارية العريقة كدوري أبطال أوروبا وكأس الأمم الأوروبية، فضلاً عن إنهاك اللاعبين. وبذلك تشكل الملفات الأخلاقية والمالية سلاحاً تكتيكياً لإضعاف نفوذ الفيفا وإعادة فرض التوازن لصالح الأندية والاتحادات الأوروبية.
إلى أين تتجه بوصلة القيادة الكروية؟
تؤكد كل المؤشرات أن هذه المواجهة الحامية ليست سوى بداية لمسلسل طويل من الضغوط والضغوط المضادة بين الطرفين. فبينما يمتلك إنفانتينو قاعدة دعم صلبة وممتدة في الاتحادات القارية الأخرى بآسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، يراهن الأوروبيون على ثقلهم المالي والتاريخي والضغط الإعلامي والقانوني لإحداث تغيير في المعادلة. وسيكون لما ستسفر عنه تحقيقات اليويفا المرتقبة من وثائق ومعطيات الأثر البالغ في تحديد شكل الصراع المقبل، وما إذا كان إنفانتينو قادراً على امتصاص هذه الهجمة أم أن عرش “الفيفا” بات يتأرجح بالفعل تحت ضربات القارة العجوز.



التعليقات