حارس دولي سابق يكشف مشكلة ماستيل في المنتخب الوطني

فتحت مخلفات التعادل المثير للجدل الذي انقاد إليه المنتخب الوطني الجزائري أمام مضيفه البوروندي (2-2) بالعاصمة بوجومبورا، لحساب الجولة الثانية من تصفيات كأس أمم إفريقيا 2027، باب النقاش الفني المتخصص حول مكامن الخلل التكتيكي والبدني التي حرمت التشكيلة من العودة بالعلامة الكاملة؛ حيث قدم الحارس الدولي السابق ونجم اتحاد العاصمة الأسبق والمدرب الحالي، فريد بلملاط، قراءة تشريحية معمقة ودقيقة لواقع المنظومة الدفاعية وحراسة المرمى بوجه خاص.

وأكد بلملاط في مستهل تحليله أن “الخضر” جانبوا تقديم المردود المنتظر منهم ولم يظهروا بالوجه الذي يعكس حقيقة إمكاناتهم الفردية والجماعية العالية التي كانت تؤهلهم منطقياً لحسم النقاط الثلاث دون عناء، مشيراً إلى أن العوامل المحيطة باللقاء، كحداثة تجربة العناصر الشابة واللعب فوق بساط اصطناعي معقد وتحت وطأة مناخ استوائي خانق، قد تمثل ظروفاً مؤثرة ومبررات موضوعية في قراءة المشهد، لكنها لا تعفي بأي حال من الأحوال لاعبي النخبة الوطنية من ضرورة امتلاك القدرة الذهنية والتكتيكية العالية على التكيف والتأقلم السريع مع مختلف بيئات الأدغال الإفريقية لتفادي الأخطاء البديهية التي تسببت في استقبال هدفين مباغتين في ظرف زمني وجيز.

توقف فريد بلملاط ملياً وبشكل مفصل عند لقطة الهدف الأول الذي اهتزت به شباك الحارس الشاب ميلفين ماستيل، واضعاً الأداء الميداني للأخير تحت مجهر التشريح التقني الصارم؛ حيث اعتبر أن التركيز الجماهيري والإعلامي الكلاسيكي ينصب عادة على هوية صاحب التمريرة أو هفوة المدافع في التدخل والتغطية، غير أن الزاوية التحكيمية والتدريبية التخصصية تكشف بوضوح عن وجود خلل فادح وتمركز موضعي خاطئ وقع فيه حامي العرين الوطني.

وأوضح بلملاط أن ماستيل كان لزاماً عليه قراءة مسار الهجمة ومواكبة اتجاه حركة الكرة بنشاط حركي مدروس وتعديل تموضعه بين الخشبات الثلاث خطوة بخطوة، بدلاً من البقاء في حالة سكون وجمود غير مبررة؛ مؤكداً أن الحارس كان بإمكانه التدخل والتصدي بأريحية تامة وقطع الخطر لو أحسن التمركز المسبق والتحرك السريع نحو زاوية الكرة قبل اكتمال العملية الهجومية، حيث كان تفاعله الحركي والذهني متأخراً للغاية وجعله عاجزاً عن التدارك. وشدد الخبير الفني على أن المسألة ترتبط في جوهرها بعاملي التمركز الدقيق والتركيز الذهني العالي، مع لفت الانتباه إلى أن الحارس لا يتحمل بمفرده وزر النتيجة كاملة، بالنظر إلى أن قلة الخبرة الدولية في هذا المستوى العالي والضغط النفسي الرهيب وثقل الأجواء المناخية تشكل مجتمعة عوامل إضافية تؤثر سلباً على اتخاذ القرار لدى أي حارس شاب في بداية مشواره الدولي.

ركز الحارس الدولي الأسبق على أحد أهم المبادئ التكتيكية الحديثة لحراس المرمى والمتمثل في القيادة الشفهية وتوجيه الخط الخلفي من داخل منطقة العمليات؛ إذ اعتبر بلملاط أن الحارس يُعد الآمر والناهي وصاحب النظرة الشاملة التي تكشف زوايا الملعب، وبالتالي تقع على عاتقه مسؤولية قيادة زملائه المدافعين، وتنبيههم المستمر للتحركات الخاطفة لخط هجوم الخصم. ويتضاعف هذا الدور المحوري في الكرات الثابتة والركنيات؛ حيث يرى بلملاط أن الحارس مطالب بفرض حضوره المعنوي والجسدي وصوته العالي بشكل لا ينقطع داخل الصندوق، وضبط وقفة المدافعين في التغطية الفردية والمناطقية لإلغاء أي فوضى تكتيكية قد يستغلها المنافس. ووجه بلملاط رسالة صريحة مفادها أن اللعب لصفوف المنتخب الوطني الجزائري يمثل امتيازاً نادراً وفرصة ذهبية يجب أن يعض عليها كل من يستدعى بالنواجذ، عبر استغلال كل دقيقة تمنح له لإثبات أحقيته وامتلاكه للشخصية القيادية والكاريزما الكافية للتنافس الجدي والمشروع على منصب الحارس الأساسي الأول، بدلاً من الاكتفاء بالدور الانفعالي ورد الفعل البطيء.

أشار بلملاط إلى أن حراسة مرمى “الخضر” مقبلة على عودة حتمية لصراع التنافس المفتوح على مصراعيه بعد تربص سبتمبر؛ حيث رأى أن ماستيل لم يستغل بطاقة الثقة الكاملة التي منحت له في مواجهتي زامبيا وبوروندي بالشكل الكافي الذي يضمن له احتكار المنصب وإغلاق الباب أمام منافسيه. ورغم تأكيده أنه لم يكن أبداً ضد قرار إقحام ماستيل أساسياً في بوجومبورا، معتبراً إياه خياراً طبيعياً ومنطقياً لمنحه الفرصة للبروز بعد الإشادات الواسعة التي رافقت إمكاناته الفنية، إلا أن بلملاط شدد على أن الطاقم الفني بقيادة إبراهيم حمداني ومدرب الحراس بات يملك اليوم معطيات ميدانية إضافية وبنك معلومات واقعي لتقييم مستواه الدولي الحقيقي ونقاط ضعفه. واقترح المحلل الفني ضرورة إعادة تفعيل المداورة العادلة في اللقاءات والمواعيد المقبلة من خلال منح الفرصة لحراس آخرين جاهزين كألكسيس قندوز وتوفيق رمضان وغيرهم من الكفاءات المتاحة، لاختبار جاهزيتهم ومعاينة ردود أفعالهم التنافسية لإعادة إرساء مبدأ الاستحقاق وبعث الحيوية في هذا المركز الحساس.

تطرق بلملاط في تشريحه لملف الحراس إلى واقع ومستقبل بعض الأسماء المرشحة لحمل المشعل؛ حيث أبدى رأيه الفني الصريح بخصوص الحارس لوكا زيدان، مؤكداً أنه ومن وجهة نظره التقنية الخاصة يرى أن لوكا يتقدم حالياً على ماستيل بخطوة واضحة من حيث النضج الميداني والجاهزية التكتيكية والخبرة التنافسية، مع تنبيهه الحازم إلى خطورة الوقوع في فخ حصر إشكالية حراسة المرمى بالجزائر في اسمين أو ثلاثة فقط وتجاهل باقي الحلول الممكنة. وفي السياق ذاته، عرج على ملف الحارس الشاب الواعد “القبي”، مؤكداً ضرورة انتهاج مسار التعقل والتروي في تسيير مسيرته الكروية عبر تركه يتدرج بشكل طبيعي وهادئ مع فئته السنية سواء مع منتخب دون 21 سنة أو منتخب دون 23 سنة ومواصلة التطور المنتظم مع ناديه. وحذر بلملاط بشدة من استعجال حرق المراحل أو رمي حارس شاب تحت أضواء الضغط الجماهيري والإعلامي الخانق للمنتخب الأول في مرحلة مبكرة من مساره، لكون الرهان الحقيقي والاستراتيجي يكمن في تأطيره علمياً وتطوير قدراته على المدى الطويل ليصبح خياراً صلباً ومستداماً لحماية عرين الوطن في المستقبل.

فتح فريد بلملاط جبهة نقاش هيكلية أعمق تتجاوز حدود الانتقادات الآنية لمباراة بوروندي لتطال الجذور الحقيقية لأزمة حراسة المرمى في الجزائر، متسائلاً بمرارة عن الأسباب الهيكلية التي تعيق إنتاج وتصدير حراس مرمى من الطراز العالي وبنسق مستمر ومنتظم قادر على تعويض الأساطير الذين تداولوا على حماية الشباك الوطنية. وشدد على أن البحث الجاد عن الحلول الجذرية لا يجب أن يبدأ عند أبواب المنتخب الوطني الأول، بل ينبغي أن ينطلق من الورشات القاعدية للأندية ومراكز التكوين ومدربي الحراس في مختلف الأصناف الشبانية، عبر تصحيح المفاهيم والابتعاد عن النمطية التقليدية العقيمة التي تختزل تدريب الحارس في تسديد الكرات العشوائية نحو يديه لصدها فقط؛ فالمنهجية العلمية والاحترافية الحقيقية تتطلب برامج تكوين متخصصة ودقيقة تُلقن للحارس منذ نعومة أظافره مهارات قراءة اللعب والتنبؤ بمسارات الكرة، قواعد التمركز الموضعي السليم، ضبط التوقيت المثالي للخروج والارتقاء، وآليات البقاء في حالة حركة ونشاط مستمر على مستوى القدمين (Footwork)، فضلاً عن تنمية الوعي الإدراكي والتركيز الذهني لفهم الدوافع التكتيكية وراء اختيار كل زاوية تمركز والتصرف الاحترافي الأمثل في مختلف سيناريوهات اللعب المعقدة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

 تابعو جديد المباريات و اللاعبين في بث مباشر