خطف المهاجم عبد النور بلحوسيني الأضواء في كأس الكونفدرالية الإفريقية هذا الموسم، بعدما أنهى دور المجموعات متصدراً جدول الهدافين برصيد أربعة أهداف، ليضع اسمه في واجهة المشهد القاري ويؤكد حالة النضج والتوهج التي يعيشها بقميص شباب بلوزداد. تألق بلحوسيني لم يكن مجرد أرقام فردية جافة، بل جاء متزامناً مع مسار جماعي قوي لناديه الذي أنهى مجموعته في الصدارة وتأهل إلى ربع النهائي بطموحات كبيرة لاعتلاء منصة التتويج القارية. ومع بروز أسماء جزائرية أخرى على مستوى الهدافين، يتكرّس الانطباع بأن الكرة الجزائرية تعيش لحظة قوة خاصة في سماء كأس الكاف، تجمع بين الفعالية الهجومية والنجاعة الجماعية.
رأسية نيلسون مانديلا: هدف يُلخّص موسمًا كاملاً
في الجولة السادسة والأخيرة من منافسات المجموعة الثالثة، استقبل شباب بلوزداد نادي أوتوهو على ملعب نيلسون مانديلا، في مباراة كان عنوانها العريض ضمان الصدارة بأداء مقنع قبل دخول معترك الأدوار الإقصائية. بلحوسيني لم يتأخر في وضع بصمته، إذ افتتح التسجيل برأسية محكمة في الدقيقة 14 بعد تحرك ذكي داخل منطقة الجزاء، مستغلاً تمركزه المثالي وجودة التوزيع من زميله في الرواق. هذا الهدف لم يكن مجرد افتتاح للنتيجة، بل حمل رمزية خاصة، لأنه ثبّت موقعه في صدارة الهدافين، ومنح فريقه أفضلية نفسية كبيرة في مباراة انتهت بفوز مستحق بنتيجة 2-1 أمام منافس عنيد اعتاد إزعاج الكبار في القارة. أداء بلحوسيني في تلك المواجهة عكس مهاجماً يتحرك بثقة عالية، يعرف متى يهاجم العمق ومتى يعود لربط اللعب، ويوظف خبرته لتسيير اللحظات الحاسمة لصالح فريقه.

صفقة صيفية تتحول إلى “ضربة معلم”
حين التحق بلحوسيني بشباب بلوزداد في الميركاتو الصيفي الماضي قادماً من شباب قسنطينة بعقد يمتد لثلاثة مواسم، وُصف التعاقد في البداية بأنه “رهان منطقي” على مهاجم أثبت قدرته تهديفياً في الدوري المحلي، لكن الأسابيع والشهور التالية حولت هذا الرهان إلى ما يمكن وصفه اليوم بـ“ضربة معلم”. اللاعب صاحب الـ29 عاماً انسجم بسرعة مع منظومة الفريق، واستثمر خبرته السابقة في الملاعب الجزائرية ليقدم إضافة نوعية على المستوى القاري، حيث أظهر هدوءاً في منطقة العمليات وقدرة على استغلال أنصاف الفرص. ما يحسب له أيضاً أنه لم يكتف بدور “المُنهي” داخل الصندوق، بل ساهم في بناء اللعب، وفتح مساحات لزملائه، وتحرك بذكاء بين الخطوط، ما جعله نقطة ارتكاز هجومية محورية في خطة فريقه.
صراع الهدافين يشتعل قبل الأدوار الإقصائية
تصدّر بلحوسيني لجدول الهدافين لا يعني أن السباق حُسم نهائياً، بل على العكس، فتح الباب أمام صراع مثير مع دخول المسابقة مرحلة ربع النهائي. خلفه مباشرة تقف مجموعة من المهاجمين برصيد ثلاثة أهداف لكل منهم، يتقدمهم درامان كاماتي الذي دافع عن ألوان سان بيدرو الإيفواري قبل أن يلتحق باتحاد الجزائر، إلى جانب بيني نامبوكا مهاجم مانيما الكونغولي، وإكسوس ساجيس نزاو مهاجم أوتوهو. هذه الأسماء أظهرت فعالية كبيرة في دور المجموعات، وتملك هي الأخرى حافزاً قوياً لاقتناص لقب الهداف، خاصة إذا واصلَت أنديتها المشوار في الأدوار المتقدمة. وجود هذا التنوع في جنسيات وأندية المطاردين يعكس البعد الإفريقي الواسع للمنافسة، ويجعل كل مباراة في الأدوار الإقصائية بمثابة “نهائي مصغّر” على مستوى السباق الفردي والجماعي معاً.
بصمة جزائرية جماعية في سلم الهدافين
إلى جانب بلحوسيني، برزت أسماء جزائرية أخرى في قائمة هدافي كأس الكونفدرالية، ما يعزز صورة الحضور القوي للأندية الجزائرية هذا الموسم. زكرياء دراوي، متوسط ميدان اتحاد العاصمة، سجل هدفين مهمين في مسار الفريق في المجموعة الأولى، مؤكداً قيمته كلاعب وسط يجمع بين الافتكاك والقدرة على الوصول إلى منطقة الجزاء وإنهاء الهجمات. فريد الملالي، جناح شباب بلوزداد، وقع هو الآخر على هدفين، معطياً بعداً إضافياً لخط هجوم فريقه بفضل سرعته وقدرته على المراوغة والتوغّل من الأطراف. هذا التوزع في الأدوار التهديفية داخل الأندية الجزائرية يبيّن أن النجاح ليس معتمداً على لاعب واحد، بل هو ثمرة عمل جماعي يتيح لعدة عناصر أن تتقاسم الأضواء، وهو ما يمنح المدربين خيارات تكتيكية أوسع في المباريات الحاسمة.
تفوق جزائري في دور المجموعات: الصدارة عن جدارة
على مستوى النتائج الجماعية، وقّعت الأندية الجزائرية على مسار مميز في دور المجموعات، حيث أنهى كل من اتحاد الجزائر وشباب بلوزداد مجموعته في الصدارة، ليضمنا التأهل إلى ربع النهائي عن جدارة واستحقاق. اتحاد الجزائر فرض هيمنته في المجموعة الأولى بأداء متوازن بين الدفاع والهجوم، مستفيداً من خبرته السابقة كبطل للمسابقة وواقعيته في التسيير التكتيكي للمباريات خارج الديار وداخلها. شباب بلوزداد بدوره قدم عرضاً قوياً في المجموعة الثالثة، متحصلاً على سلسلة نتائج إيجابية منحته المركز الأول وثقة كبيرة قبل الدخول في الأدوار الإقصائية. هذا الحضور الجزائري المزدوج في صدارة المجموعتين يبعث برسالة واضحة لبقية المنافسين، مفادها أن الأندية الجزائرية لا تكتفي بالمشاركة الشرفية، بل تدخل المنافسة بطموح مشروع نحو منصة التتويج. تزاوج التفوق الجماعي مع البروز الفردي لبلحوسيني ودراوي والملالي يجعل سقف الطموحات مرتفعاً هذه المرة، في وقت ترى فيه الجماهير أن الظروف باتت مواتية لإعادة كأس الكونفدرالية إلى الجزائر.
جدول الهدافين البارزين بعد دور المجموعات
الجدول التالي يختصر وضع أبرز الهدافين بعد نهاية مرحلة المجموعات في كأس الكونفدرالية الإفريقية، مع إبراز الحضور الجزائري اللافت:
| الترتيب | اللاعب | النادي | عدد الأهداف |
|---|---|---|---|
| 1 | عبد النور بلحوسيني | شباب بلوزداد | 4 |
| 2 | درامان كاماتي | سان بيدرو / اتحاد الجزائر | 3 |
| 2 | بيني نامبوكا | مانيما | 3 |
| 2 | إكسوس ساجيس نزاو | أوتوهو | 3 |
| – | زكرياء دراوي | اتحاد الجزائر | 2 |
| – | فريد الملالي | شباب بلوزداد | 2 |
نحو أدوار حاسمة… وطموحات بلا سقف
مع اقتراب صافرة انطلاق ربع النهائي، يبدو أن الأندية الجزائرية تدخل المرحلة الحاسمة من المنافسة وهي متسلحة بمعنويات عالية وأرقام مشجعة، سواء على مستوى النتائج الجماعية أو الأداء الفردي. بلحوسيني سيكون تحت مجهر المدافعين والحراس في الأدوار المقبلة، لكنه في المقابل يملك فرصة ذهبية لتثبيت نفسه كأحد أبرز المهاجمين في القارة حالياً، خاصة إذا نجح في ترجمة حضوره في دور المجموعات إلى أهداف حاسمة في الأدوار الإقصائية. اتحاد الجزائر وشباب بلوزداد لديهما من الخبرة والعمق في التشكيلة ما يسمح لهما بحلم مشروع في الذهاب بعيداً، لكن الطريق إلى اللقب يفرض ثباتاً في الأداء، وإدارة ذكية للتفاصيل الصغيرة التي تحسم عادة مباريات هذا المستوى. ما بين طموح جماعي لرفع الكأس، وسعي فردي لاعتلاء عرش الهدافين حتى النهاية، تبدو الكرة الجزائرية على موعد مع اختبار كبير، قد يتحول في حال استغلاله جيداً إلى ليلة تتويج تاريخية جديدة في سماء إفريقيا.


