لم يكن اجتماع المكتب التنفيذي للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) في دار السلام، تنزانيا، مجرد محطة إدارية عادية ضمن رزنامة الهيئة القارية، بل تحوّل إلى لحظة مفصلية أعادت ملف الحوكمة والتحكيم والانضباط إلى الواجهة بقوة، بعد تداعيات نهائي كأس إفريقيا 2025 وما خلّفه من جدل واسع داخل القارة وخارجها.
في قلب هذا المشهد برز اسم رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم وليد صادي، الذي ظهر في الاجتماع كأحد أكثر الأصوات إصراراً على دفع “الكاف” نحو مساءلة واضحة وإصلاحات ملموسة، في وقت كانت فيه المؤسسة تتلقى انتقادات متصاعدة حول طريقة إدارة الملفات الكبرى وحساسية القرارات المرتبطة بالتحكيم والعقوبات.
اجتماع استثنائي… وظلال النهائي تفرض نفسها
الكاف كان قد أعلن رسمياً أن اجتماع اللجنة التنفيذية سيُعقد يوم الجمعة 13 فبراير 2026 بدار السلام، على أن يعقبه مؤتمر صحفي، في مؤشر على حجم القضايا المنتظرة وحساسية المرحلة.
ورغم تنوع الملفات المدرجة في الأجندة، إلا أن السياق العام كان واضحاً: نهائي كأس إفريقيا 2025 بين المغرب والسنغال، وما رافقه من احتجاجات وفوضى وتدخلات “الفار” ولحظات توقّف مثيرة، فتح الباب أمام نقاش قانوني وانضباطي واسع داخل الكاف وخارجها، وصولاً إلى مطالبة أصوات دولية بضرورة محاسبة المسؤولين وتشديد الإجراءات لمنع تكرار ما حدث.هذا الضغط الخارجي، مع الغضب الداخلي، خلق أرضية مثالية لخطاب إصلاحي مباشر… وهو ما استثمره صادي ليضع نفسه في موقع “المطالب بالتغيير” بدل الاكتفاء بدور المتفرّج.
صادي: نحو حوكمة صارمة وإصلاح التحكيم
داخل الكواليس، كان التوجه العام نحو تشديد الانضباط وتعديل المساطر القانونية رداً على أحداث النهائي، وهو ما تحدثت عنه تقارير متخصصة قبل الاجتماع، باعتبار أن “الكاف” يتجه إلى تشديد النصوص الردعية لتفادي مشاهد الانسحاب من الملعب والتوترات التي طغت على ختام البطولة.في هذا الإطار، جاء حضور وليد صادي ليدفع النقاش إلى ما هو أبعد من “ترقيعات ظرفية”، عبر التركيز على ضرورة فتح ملفات التسيير والتحكيم بمنطق إصلاحي، لأن جوهر الأزمة—وفق الطرح الذي تردّد في الإعلام—ليس فقط في لقطة تحكيمية أو قرار “فني”، بل في منظومة تُدار تحت ضغط اللحظة وتخسر ثقة الشارع الكروي الإفريقي تدريجياً.وبمعنى آخر، صادي حاول نقل النقاش من سؤال: “ماذا حدث في النهائي؟” إلى سؤال أكبر: “كيف نمنع تكرار ذلك؟ ومن يتحمّل المسؤولية داخل المنظومة؟”
غيابات تثير الجدل… والمشهد يزداد توتراً
قبل الاجتماع، تداولت وسائل إعلام عربية أن صادي ضمن أطراف قررت مقاطعة اجتماع الكاف بسبب مسائل إجرائية، على رأسها غياب جدول أعمال واضح في وقت حساس، وهو ما زاد من حدة التوتر قبل انطلاق الجلسة. وفي المقابل، انتشرت عبر منصات رقمية مواد تتحدث عن غيابات أخرى داخل الاجتماع أو عن طريقة المشاركة، ما جعل “قصة الحضور والغياب” جزءاً من المعركة الرمزية بين تيارين: تيار يريد تمرير الاجتماع بهدوء، وآخر يرى أن الظرف يتطلب مكاشفة حقيقية وتغييراً في أسلوب التسيير.
وبين هذا وذاك، كان الأكيد أن اجتماع دار السلام لم يمر كجلسة تقنية عابرة، بل كحلقة من صراع نفوذ داخل بيت الكاف، تتداخل فيه حسابات التنظيم، التحكيم، والسياسة الرياضية.
لماذا يهم الجزائريين ما فعله صادي؟
بالنسبة للشارع الجزائري، تحركات وليد صادي داخل الكاف لا تُقرأ فقط كـ”موقف شخصي”، بل كامتداد لفكرة حضور الجزائر في مراكز القرار القاري، خاصة في فترة أصبحت فيها ملفات التحكيم، البرمجة، والانضباط عوامل حاسمة في مسار الأندية والمنتخبات الجزائرية قارياً.
كما أن التركيز على ملف التحكيم تحديداً يحمل بعداً عملياً، لأن تحسين جودة القرارات وتوحيد المعايير يقلل من هامش الجدل، ويمنح المنافسات مصداقية أكبر، وهو ما ينعكس على صورة الكرة الإفريقية أمام العالم في زمن صار فيه “الفار” معياراً للشفافية، لا مجرد أداة تقنية.لذلك، فإن “تموقع” صادي داخل النقاش القاري—مهما اختلفت القراءات حوله—يُسجل كرسالة أن الجزائر تريد أن تكون حاضرة في النقاش الإصلاحي، لا في هامشه.
هل نحن أمام بداية تغيير داخل الكاف؟
المؤشرات المتاحة حتى الآن تقول إن الكاف بعد نهائي 2025 دخل مرحلة “ما بعد الصدمة”، مع حديث عن تشديد قوانين الانضباط ومراجعة آليات التعامل مع الأحداث الاستثنائية داخل المباريات، وهي خطوة تعكس إدراكاً بأن الأزمة كانت أكبر من مجرد جدل إعلامي.
لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل النقاش إلى قرارات قابلة للتنفيذ، مع شفافية في التعاطي وتوزيع للمسؤوليات، لأن أي إصلاح دون مساءلة واضحة قد يتحول إلى إجراء شكلي يُطفئ النار مؤقتاً ثم يعيدها بشكل أعنف لاحقاً.وهنا بالضبط يتمركز دور وليد صادي: هل ينجح في تحويل حضوره القاري إلى مسار إصلاحي دائم، أم أن ضغط التوازنات داخل الكاف سيعيد كل شيء إلى نقطة الصفر؟


