التعاقد مع رولاني موكوينا خيار استراتيجي ذكي من إدارة مولودية الجزائر، حيث أعلن النادي رسميًا تعاقده مع المدرب الجنوب أفريقي لقيادة الفريق خلال الموسم الكروي 2025-2026، تلبية لطموحات فريق صار يستهدف أغلى الألقاب القارية. هذا التعاقد يأتي في إطار مشروع طموح يسعى لإعادة المولودية إلى مصاف الأندية الكبرى على المستوى الإفريقي.
الاختيار ليس عشوائيًا، بل مبني على دراسة معمقة لخصائص هذا المدرب الشاب الذي برز كواحد من أكثر المدربين نجاحًا في القارة الإفريقية. موكوينا يمثل جيلاً جديدًا من المدربين الذين يجمعون بين الخبرة والحداثة، والذين أثبتوا قدرتهم على التكيف مع مختلف البيئات الكروية والثقافية.
المشوار التدريبي: من المساعد إلى النجم
المدرب القادم من جنوب إفريقيا، بلد الكرة الجميلة، البالغ من العمر 38 عامًا، سيكون أصغر مدرب في الدوري الجزائري الموسم المقبل، وأصغر مدرب في دوري أبطال إفريقيا، لكنه الأكثر تتويجًا في الدوري المحلي ضمن مدربي أندية النخبة. هذا التناقض الظاهري بين الشباب والإنجاز يعكس مدى تميز هذا المدرب وسرعة تطوره المهني.
اشتغل موكوينا مدربًا مساعدًا في نادي ماميلودي صن داونز، من 2014 إلى غاية 2017، وكان ضمن طاقم المدرب الشهير بيتسو موسيماني حين أحرز الفريق لقب دوري أبطال إفريقيا عام 2016. هذه التجربة الأولى مع البطولة الإفريقية منحته فهمًا عميقًا لطبيعة المنافسة القارية ومتطلبات النجاح على هذا المستوى.
خلال فترة عمله كمساعد، تعلم موكوينا أسرار المهنة من واحد من أكثر المدربين نجاحًا في إفريقيا، واكتسب خبرة قيمة في إدارة الضغوط والتعامل مع اللاعبين النجوم. هذه المرحلة شكلت الأساس الصلب الذي بنى عليه مسيرته التدريبية اللاحقة.
مرحلة الانتقال – التجربة مع أورلاندو بيراتس
تولى موكوينا زمام الأمور مدربًا رئيسيًا بشكل مؤقت في نادي أورلاندو بيراتس بداية موسم 2019/2020، إلى غاية نهاية السنة، حيث عاد إلى منصبه مساعدًا للمدرب الألماني جوزيف زيمباور، المدرب الحالي لشبيبة القبائل لشهرين فقط، قبل أن يغادر إلى شيبا يونايتد حيث عمل مدربًا رئيسيًا.
هذه الفترة الانتقالية كانت بمثابة اختبار حقيقي لقدرات موكوينا القيادية. رغم قصر المدة، إلا أنها منحته فرصة لتطبيق أفكاره التدريبية بشكل مستقل والتعامل مع مسؤوليات المدرب الرئيسي. التجربة مع أورلاندو بيراتس، أحد أكبر الأندية في جنوب إفريقيا، أضافت إلى رصيده الخبرة في التعامل مع الضغوط الإعلامية والجماهيرية.
العودة إلى ماميلودي من أوسع الأبواب
في صيف 2020، تولى موكوينا قيادة ماميلودي صن داونز مدربًا رئيسيًا إلى جانب مانكوبا، قبل أن يواصل المغامرة لوحده منذ موسم 2022/2023، في أنجح مواسمه التدريبية. حقق 4 ألقاب خلال مسيرته، هي: دوري جنوب إفريقيا 2022 و2023 و2024 مع صن داونز، ولقب الدوري الإفريقي مع النادي ذاته عام 2023.
هذه العودة إلى صن داونز كانت نقطة تحول حاسمة في مسيرة موكوينا. النجاح في قيادة الفريق منفردًا أثبت قدرته على تحمل المسؤولية كاملة وإدارة فريق بمستوى عالمي. الفوز بكأس جنوب إفريقيا، والدوري المحلي مرتين، وكذلك الفوز بالدوري الإفريقي في نسخته الأولى على حساب فريق الوداد نفسه يعكس مدى تطور قدراته التكتيكية والإدارية.
لقب الدوري كان الثالث لموكوينا بعد 2022 حين كان يشكل طاقمًا ثنائيًا مع مانكوبا، ثم عاد للتتويج مع فريقه بلقب دوري جنوب إفريقيا 2024، قبل أن ينتقل إلى الوداد البيضاوي المغربي الذي قاده في الموسم الجاري إلى غاية أبريل من السنة الجارية، حيث لم تكلل تجربته بالنجاح.
التجربة المغربية: دروس من الفشل
قاد نادي الوداد الرياضي المغربي خلال موسم صعب، في أول تجربة له خارج جنوب إفريقيا. هذه التجربة، رغم عدم نجاحها، شكلت محطة مهمة في مسيرة موكوينا، حيث منحته فرصة للتعرف على طبيعة كرة القدم العربية والمغاربية.
اعترف موكوينا أن تجربته مع الوداد الرياضي كانت الأصعب في مسيرته مقارنة بفترته مع ماميلودي سان داونز الجنوب إفريقي. هذا الاعتراف يعكس صدق المدرب وقدرته على التعلم من التجارب، وهو ما يجعله أكثر نضجًا وخبرة في مواجهة التحديات الجديدة.
التجربة المغربية علّمت موكوينا أهمية التكيف مع البيئة الثقافية والرياضية المختلفة. الاختلاف في أسلوب اللعب، وتوقعات الجماهير، والضغوط الإعلامية كلها عوامل تتطلب مرونة وقدرة على التكيف. هذه التجربة ستكون رصيدًا مهمًا له في مهمته الجديدة مع مولودية الجزائر.
نظام 4-3-3: الاستحواذ والبناء من الخلف
يعتمد موكوينا على نظام 4-3-3 بمبادئ الاستحواذ على الكرة وحتمية البناء من الخلف والتدرج السريع بأقل عدد من اللمسات، بمشاركة جميع العناصر في البناء، بدءًا من حارس المرمى. هذا الأسلوب يعكس فهمًا عميقًا لكرة القدم الحديثة ومتطلبات الفوز في المستوى العالي.
الاعتماد على البناء من الخلف يتطلب مستوى عاليًا من التركيز والدقة من جميع اللاعبين، خاصة المدافعين وحارس المرمى. هذا الأسلوب يسمح بالسيطرة على إيقاع المباراة وخلق فرص أكثر من خلال تحريك الخصم وفتح المساحات.
التنويع التكتيكي: مرونة في التطبيق
أحيانًا، يلجأ موكوينا إلى خطة بديلة مشابهة، 4-3-1-2، من خلال الإبقاء على ثلاثي خط الوسط، بلاعب ارتكاز واحد ولاعبين متقدمين، مقابل الدفع بلاعب رقم 10 كلاسيكي في صناعة اللعب خلف المهاجمين. هذا التنويع يعكس ذكاءً تكتيكيًا عاليًا وقدرة على قراءة مجريات المباراة.
هذه المرونة في التطبيق التكتيكي تسمح للفريق بالتكيف مع ظروف المباراة المختلفة وطبيعة الخصم. القدرة على التغيير أثناء المباراة دون فقدان الهوية الأساسية للفريق تعتبر من أهم مميزات المدرب الناجح.
الفكر الهجومي والمتطلبات البدنية
يمتاز موكوينا بفكر هجومي واضح المعالم، كما أنه متطلب جدًا من الناحية البدنية، في عملية الضغط العكسي، والضغط العالي على فترات من المباراة، وحتمية التحول السريع في الحالتين، سواء من الدفاع نحو الهجوم، أو في الارتداد الدفاعي.
هذا الأسلوب يتطلب مستوى لياقة بدنية عالية من اللاعبين، وانضباطًا تكتيكيًا صارمًا. الضغط العالي يمكن أن يكون سلاحًا فعالًا لاستعادة الكرة في مناطق خطيرة، لكنه يتطلب تنسيقًا مثاليًا بين جميع خطوط الفريق.
التحديات والفرص مع مولودية الجزائر
انتقال موكوينا إلى مولودية الجزائر يحمل تحديات عديدة، أهمها التكيف مع البيئة الجزائرية وفهم خصائص اللاعبين المحليين. وجد متعة جديدة في الجزائر حسب تصريحاته الأولى، مما يعكس إيجابية في التعامل مع التحدي الجديد.
الدوري الجزائري له خصائصه المميزة، والمنافسة فيه تتطلب فهمًا عميقًا لطبيعة الفرق المحلية وأسلوب اللعب المفضل. التجربة مع الوداد علمته أهمية التكيف السريع والتفاعل الإيجابي مع البيئة الجديدة.
الطموحات الإفريقية
خبرة موكوينا وتمرسه في أكبر نوادي جنوب إفريقيا والوداد البيضاوي، وتتويجاته كمساعد وكمدرب رئيسي، محليًا وقاريًا، معطيات تجعله مبدئيًا خيارًا مناسبًا للمولودية، في سعي مشروع لنيل اللقب الإفريقي ومواصلة السيطرة محليًا.
مولودية الجزائر تتطلع للعودة إلى المنافسة الإفريقية بقوة، وموكوينا يمتلك الخبرة والأدوات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. نجاحه في قيادة صن داونز للفوز بالدوري الإفريقي يعطي الأمل في إمكانية تكرار الإنجاز مع فريقه الجديد.
التميز والريادة: أول مدرب جنوب إفريقي
موكوينا أول مدرب جنوب إفريقي في تاريخ الدوري الجزائري، مما يجعل من تعيينه حدثًا تاريخيًا يعكس انفتاح الكرة الجزائرية على الخبرات الإفريقية المتنوعة. هذا التنوع في الخبرات يمكن أن يضيف أبعادًا جديدة لأسلوب اللعب في الدوري الجزائري.
التبادل الثقافي والفني بين مختلف أقطار إفريقيا يساهم في تطوير مستوى الكرة القارية بشكل عام. موكوينا يحمل معه خبرة من بيئة كروية متطورة ويمكنه نقل هذه الخبرة لتطوير الكرة الجزائرية.
وجود مدرب شاب ومتطور مثل موكوينا يمكن أن يلهم الجيل الجديد من المدربين الجزائريين ويشجعهم على تطوير أساليبهم وتحديث معارفهم. الاستفادة من تجربته وخبرته يمكن أن تكون مفيدة لمستقبل التدريب في الجزائر.
رهان كبير على موكوينا
تعاقد مولودية الجزائر مع رولاني موكوينا يمثل رهانًا جريئًا على المستقبل. المدرب الشاب يجمع بين الخبرة والطموح، وبين الفهم العميق لكرة القدم الحديثة والقدرة على التكيف مع البيئات المختلفة. التجربة المغربية، رغم عدم نجاحها، منحته دروسًا قيمة ستكون مفيدة في مهمته الجديدة.
النجاح مع مولودية الجزائر لن يكون سهلاً، لكن الأسس موجودة والإمكانيات متوفرة. موكوينا يمتلك الأدوات اللازمة لتحقيق الطموحات، والمطلوب الآن هو الصبر والدعم لمنحه الفرصة لتطبيق رؤيته وتحقيق الأهداف المرسومة. العيون متجهة نحو الموسم الجديد لرؤية ما يمكن أن يحققه هذا المدرب الواعد مع عميد الأندية الجزائرية.



