جوان حجام… الظهير العصري الذي يمنح “الخضر” صلابة على المقاس الإفريقي

فرض جوان حجام نفسه في ظرف وجيز كواحد من أكثر اللاعبين تكاملًا في تشكيلة المنتخب الجزائري، بفضل مزيج نادر بين الهدوء في الاستحواذ والانضباط التكتيكي والصلابة البدنية. يقدم اللاعب صورة نموذجية للظهير الأيسر الحديث؛ لا يكتفي بغلق الجبهة دفاعيًا، بل يشارك في بناء الهجمة من الخلف، ويتحرك بذكاء بين الخطوط لخلق زيادة عددية في وسط الميدان. هذه الخصائص جعلته خيارًا محببًا لدى الطاقم الفني في المباريات التي تتطلب توازنًا دقيقًا بين المغامرة الهجومية والأمان الدفاعي، خاصة في المحافل القارية التي تُلعب على تفاصيل بسيطة.

في منظومة 4-3-3 التي يفضلها فلاديمير بيتكوفيتش، يصبح دور الظهيرين حاسمًا في رسم هوية المنتخب داخل الملعب، وهنا يبرز حجام بقدرة واضحة على احترام “الهندسة التكتيكية” للمدرب. يتمركز اللاعب في كثير من الأوقات أقرب إلى قلب الدفاع عند بداية البناء، ليمنح الحرية لوسط الميدان للتقدم، وفي اللحظة المناسبة يتقدم تدريجيًا دون أن يترك مساحات شاسعة خلفه. هذا السلوك الواعي يقلل من خطورة المرتدات، خصوصًا أمام منتخبات إفريقية تعشق الانطلاق السريع من الأطراف. كما يجيد حجام اختيار توقيت الصعود لإرسال عرضيات مركزة، أو المرور في العمق لفتح الممر أمام الجناح، بدل الاكتفاء بالجري على الخط بطريقة تقليدية.

أحد أبرز أسباب الدفع بحجام أساسيًا في المواجهات الكبرى داخل إفريقيا يكمن في قدرته على تحمل الالتحامات البدنية القوية، دون فقدان التركيز أو الوقوع في أخطاء ساذجة. يمتلك اللاعب بنية بدنية جيدة تساعده على الفوز بنسبة عالية من الصراعات الثنائية، سواء الأرضية أو الهوائية، إضافة إلى سرعة مقبولة تسمح له بتدارك أي تأخر بسيط في التمركز. هذه الصفات تظهر قيمتها الحقيقية أمام منتخبات مثل بوركينا فاسو، التي تعتمد في أسلوبها على الاندفاع القوي والضغط العمودي من الأطراف، حيث يحتاج المنتخب إلى ظهير لا يتهرب من الالتحام ولا يفقد برودة أعصابه في اللحظات الحاسمة. من جهة أخرى، يتعامل حجام مع التعليمات باحترافية، فلا يغامر خارج النسق الجماعي، وهو ما يمنح الطاقم الفني قدرًا كبيرًا من الثقة في إشراكه أساسيًا في المباريات المصيرية.

على الرغم من أن حجام لا يُصنف كظهير هجومي صاخب من حيث الأرقام، فإن مساهماته الهجومية تحمل طابعًا “هادئًا لكن مؤثرًا”. يميل اللاعب إلى التمرير القصير واللعب على المثلثات مع لاعب الوسط والجناح، ما يساعد المنتخب على الخروج المنظم من الضغط وبناء الهجمة خطوة بخطوة بدل الاعتماد على الكرات العشوائية الطويلة. كما يمتلك قدمًا يسرى قادرة على إرسال عرضيات دقيقة عند بلوغ الثلث الأخير، إلى جانب تسديدات بعيدة المدى يمكن أن تشكل حلًا إضافيًا أمام الدفاعات المتكتلة. هذه المزايا تمنح الخطة مرونة أكبر؛ إذ يمكن استغلاله أحيانًا كظهير ثالث في التحولات الدفاعية، أو كعنصر إضافي خلف الجناح لتثبيت دفاع الخصم على الجهة اليسرى.

في ظل المنافسة الموجودة على مركز الظهير الأيسر مع أسماء أخرى تمتلك رصيدًا معتبرًا من الخبرة الأوروبية، يشكل ثبات أداء جوان حجام رسالة قوية بأنه ليس مجرد حل ظرفي بل مشروع ركيزة دائمة في تشكيلة “الخضر”. طريقة تعامله مع الضغط الإعلامي، وهدوؤه داخل الملعب، وتطوّره المستمر مع ناديه، كلها مؤشرات على لاعب بدأ يتأقلم مع حجم المسؤولية الدولية. ومع توالي المباريات في كأس أمم إفريقيا والارتباطات المقبلة في تصفيات المونديال، تبدو الفرصة مواتية أمامه لترسيخ مكانته كعنوان أساسي للجهة اليسرى، خاصة إذا واصل الجمع بين الصلابة الدفاعية والفعالية التكتيكية التي تجعل منه قطعة لا غنى عنها في المنظومة الجماعية للمنتخب الوطني.