يشهد عالم كرة القدم هذه الأيام صعوداً لافتاً لنجم جزائري استثنائي استطاع أن يفرض نفسه كأحد أبرز المهاجمين في الساحة الأوروبية. أمين غويري، مهاجم أولمبيك مارسيليا، بات حديث المتابعين والنقاد الرياضيين بعد أدائه المذهل وأرقامه القياسية التي حطمت حاجز التوقعات. في عصر يعاني فيه عالم كرة القدم من “ندرة” البروفايلات المميزة في مركز المهاجم الصريح، ظهر غويري كنموذج فريد يجمع بين المهارة الفنية العالية والقدرة التهديفية، وهو ما جعله محط أنظار كبار أندية أوروبا، على رأسها نادي برشلونة الإسباني الذي يبدو الوجهة الأقرب للنجم الجزائري في المستقبل القريب.
أعلن غويري عن نفسه بقوة في الدوري الفرنسي، حيث نجح في تحقيق إنجاز تاريخي بتسجيله المساهمة في 11 هدفاً خلال أول 12 مباراة له بقميص نادي الجنوب الفرنسي، متفوقاً بذلك على أسطورة الكرة الإفريقية ديدييه دروغبا الذي ساهم في 10 أهداف فقط خلال نفس الفترة من مسيرته مع المارسيي. هذه البداية النارية لم تكن مجرد صدفة، بل نتاج لموهبة استثنائية ومجهود كبير في التطوير المستمر لمهاراته الفنية والتكتيكية، تحت إشراف مدربين يؤمنون بقدراته مثل ديزيربي وبن عطية.
المقارنة بين غويري و دروغبا وطريق النجومية العالمية
تفرض المقارنة نفسها بين غويري ودروغبا، ليس فقط بسبب الأرقام المتقاربة في بداية مشوارهما مع مارسيليا، بل أيضاً بسبب التشابه في بعض الخصائص الفنية والجسمانية. دروغبا، الذي انتقل بعد تألقه في مارسيليا إلى تشيلسي، واجه في البداية بعض الصعوبات في التأقلم، قبل أن يتحول إلى أسطورة حقيقية في البريميرليغ ويكتب اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ البلوز. هذا المسار يمكن أن يكون مشابهاً لغويري الذي يبدو جاهزاً الآن للانتقال إلى مرحلة جديدة من مسيرته مع ناد كبير يليق بقدراته وطموحاته.
ويرى خبراء كرة القدم أن غويري قد تجاوز مرحلة إثبات الذات وبات مؤهلاً للعب في أعلى المستويات. فبعد أن أظهر نزعة تهديفية عالية وقدرة على الحسم في المباريات المهمة، أصبح اسمه يتردد بين أروقة أندية الصف الأول في أوروبا. لكن ما يميز غويري حقاً عن باقي المهاجمين ليس فقط قدرته على تسجيل الأهداف، بل أيضاً مهاراته الفنية الاستثنائية وقدرته على المشاركة في بناء اللعب وصناعة الفرص لزملائه، وهو ما يجعله نموذجاً للمهاجم الشامل الذي تبحث عنه الأندية الكبرى في العصر الحديث.
لماذا يعتبر برشلونة الوجهة المثالية لغويري؟
في خضم الأنباء المتداولة عن اهتمام عدة أندية بخدمات المهاجم الجزائري، بما فيها ليفربول الإنجليزي وباير ليفركوزن الألماني، تبرز فرضية انتقاله إلى برشلونة كأكثر السيناريوهات منطقية لمستقبله الكروي. فالنادي الكاتالوني، تحت قيادة المدرب الألماني هانز فليك، يتبنى أسلوب لعب يعتمد على الضغط العالي والاستحواذ على الكرة والتمريرات القصيرة، وهو نظام يتطلب مهاجماً بخصائص معينة يمكن لغويري تقديمها بامتياز.
القدرة الهائلة التي يتمتع بها غويري على الاحتفاظ بالكرة واللعب ما بين الخطوط تجعله مثالياً لأسلوب برشلونة. فالمهاجم الذي تتجاوز دقة تمريراته 90% يُعتبر بروفايلاً نادراً في الكرة العالمية، وهو ما يشهد به المدربون واللاعبون الذين عملوا معه عن قرب. هذه الصفات الفنية المميزة، إلى جانب قدرته على الخروج من منطقة الجزاء وفتح المساحات للزملاء، تجعله الضلع الثالث المثالي المتكامل مع النجمين الصاعدين يامال ورافينيا في الهجوم البرشلوني.
ويمكن القول إن فلسفة برشلونة التاريخية، التي تعتمد على الاستحواذ واللعب الجماعي، تتماشى تماماً مع خصائص غويري الفنية. فالنادي الكاتالوني عرف على مر تاريخه بالاعتماد على مهاجمين يجيدون المشاركة في بناء اللعب ويتمتعون بمهارات فنية عالية، مثل صامويل إيتو وديفيد فيا ولويس سواريز، وحتى ليوناردو ميسي الذي لعب في بعض الفترات كمهاجم وهمي. غويري، بخصائصه الفنية والتكتيكية، يندرج ضمن هذه الفئة من المهاجمين، مما يجعله خياراً مثالياً لخلافة هؤلاء النجوم.
غويري والمقارنة ببنزيما: هل نشهد ولادة أسطورة جديدة؟
تذهب بعض التحليلات الرياضية إلى تشبيه غويري بأسطورة ريال مدريد السابق كريم بنزيما، وهي مقارنة ليست بعيدة عن الواقع إذا ما نظرنا إلى أسلوب اللعب المتشابه بينهما. فكلاهما يتميز بالقدرة على الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط والمساهمة في بناء الهجمات، إلى جانب الحس التهديفي العالي. بنزيما، الذي بدأ مسيرته كمهاجم موهوب فنياً في ليون الفرنسي قبل أن ينتقل إلى ريال مدريد ويتحول إلى أحد أعظم المهاجمين في تاريخ النادي، يمثل نموذجاً يمكن لغويري أن يحذو حذوه إذا ما أتيحت له فرصة اللعب في ناد كبير ينافس بانتظام في دوري أبطال أوروبا.
لكن المقارنة مع بنزيما لا تعني أن غويري سيكون نسخة كربونية من النجم الفرنسي، بل إن له خصائصه المميزة وأسلوبه الخاص الذي يمكن أن يتطور ليصبح هوية مستقلة في عالم كرة القدم. فغويري يتمتع بقدرة أكبر على المراوغة واللعب في المساحات الضيقة، وهو ما قد يجعل مساره أقرب إلى مزيج بين بنزيما وبعض خصائص لاعبين آخرين مثل روبرتو فيرمينو في أفضل أيامه مع ليفربول.
مستقبل الكرة الجزائرية مع صعود نجم غويري
يمثل صعود غويري إلى مصاف النجوم العالميين دفعة قوية للكرة الجزائرية التي طالما أنجبت مواهب كروية استثنائية على مر التاريخ. فبعد رياض محرز الذي فرض نفسه كأحد أبرز نجوم البريميرليغ وقاد مانشستر سيتي إلى إنجازات تاريخية، يأتي غويري كموهبة جديدة قادرة على رفع راية الكرة الجزائرية عالياً في سماء الكرة الأوروبية.
انتقال غويري المحتمل إلى نادٍ بحجم برشلونة سيشكل نقلة نوعية ليس فقط في مسيرته الشخصية، بل أيضاً في تاريخ الكرة الجزائرية التي ستشهد لأول مرة وجود لاعب من أبنائها في أحد أكبر وأعرق الأندية في العالم. هذا الانتقال سيفتح الباب أمام جيل جديد من المواهب الجزائرية للحلم بمسار مشابه، وسيعزز من مكانة الكرة الجزائرية على الساحة العالمية.
كما أن تألق غويري في الدوريات الأوروبية الكبرى سينعكس إيجاباً على أداء المنتخب الجزائري الذي سيستفيد من تطور مستواه وخبرته المكتسبة من اللعب في أعلى المستويات. فالمنتخب الوطني، الذي يسعى لاستعادة أمجاده القارية والتأهل بانتظام إلى كأس العالم، بحاجة إلى نجوم يلعبون في أكبر الأندية العالمية لقيادة مشروعه الرياضي.
هل سنشهد ثلاثياً هجومياً تاريخياً في برشلونة؟
الحديث عن انتقال غويري إلى برشلونة يثير تساؤلاً مشروعاً حول إمكانية تشكيل ثلاثي هجومي تاريخي مع يامال ورافينيا تحت قيادة المدرب هانز فليك. فالأخير، المعروف بنهجه الهجومي وقدرته على استخراج أفضل ما لدى المهاجمين، يمكن أن يكون الرجل المناسب لصقل موهبة غويري وتحويله إلى نجم عالمي.
التكامل المحتمل بين غويري ويامال ورافينيا يمكن أن يشكل معادلة هجومية مخيفة تعيد برشلونة إلى سابق عهده كقوة ضاربة في أوروبا. فيامال، بسرعته وقدرته على المراوغة، ورافينيا، بمهاراته الفنية العالية وحس التسجيل المميز، يمكن أن يكونا الشريكين المثاليين لغويري الذي سيلعب دور المهاجم المحوري القادر على فتح المساحات لهما والمساهمة في بناء الهجمات.
على الرغم من أن الانتقال لم يتحقق بعد، وأن المنافسة على ضم غويري ستكون قوية من أندية أخرى، إلا أن فكرة رؤيته بقميص برشلونة إلى جانب يامال ورافينيا تبقى حلماً قابلاً للتحقيق قد يغير وجه الكرة الأوروبية في السنوات القادمة. فإذا ما نجح النادي الكاتالوني في حسم الصفقة، فقد نكون على موعد مع ولادة حقبة جديدة من الإبداع الهجومي في عالم كرة القدم.


