مع اقتراب موعد انطلاق نهائيات كأس العالم 2026، تتجه أنظار الجماهير الرياضية نحو مسارات المنتخبات والتقاطعات المحتملة في الأدوار الإقصائية. ولعل السيناريو الأكثر إثارة وتشويقاً، والذي طالما داعب مخيلة عشاق الساحرة المستديرة، هو تجدد العهد كروياً بين المنتخب الوطني الجزائري ونظيره الفرنسي، في صدام مونديالي سيتخطى حتماً أبعاده الرياضية البحتة، ليحمل طابعاً تاريخياً استثنائياً بعد ربع قرن من آخر مواجهة ودية جمعت الطرفين.
ذكرى “سان دوني” المريرة.. ربع قرن على الصدام الأخير
تعود بنا الذاكرة إلى تلك الأمسية الخريفية المعقدة في ملعب “فرنسا” بضاحية سان دوني الباريسية، حين التقى المنتخبان في آخر مواجهة مباشرة بينهما. كان “الخضر” حينها يمرون بمرحلة انتقالية حساسة وصعبة، تحت قيادة الناخب الوطني الأسبق رابح ماجر الذي استلم المشعل قبلها بفترة قصيرة خلفاً للمدرب عبد الغني جداوي.
في المقابل، كان المنتخب الفرنسي يعيش أزهى فتراته الكروية، حيث نزل إلى أرضية الميدان بثوب بطل العالم وبطل أوروبا، مدججاً بأسماء رنانة يتقدمها الأسطورة زين الدين زيدان ورفاقه الذين بلغوا آنذاك قمة النضج الكروي. لم تكن المواجهة متكافئة فنياً على الورق ولا على المستطيل الأخضر، غير أن ما زاد من مرارة تلك الذكرى هو اقتحام بعض الجماهير لأرضية الملعب، مما أدى إلى توقيف اللقاء في الدقيقة الخامسة والسبعين، لتبقى تلك المواجهة مبتورة ومحفورة في الأذهان بسيناريوهاتها غير الرياضية.
حسرة مونديال 2014.. موعد تأجل في الأراضي البرازيلية
وقبل الحديث عن مونديال 2026، لا يمكن نسيان الحسرة التي رافقت مشاركة الجزائر التاريخية في كأس العالم 2014 بالبرازيل. فبعد الملحمة البطولية والمشوار الاستثنائي لرفقاء رايس مبولحي، ضيع المنتخب الوطني فرصة ذهبية لملاقاة المنتخب الفرنسي في الدور ربع النهائي، إثر الخسارة بشرف بعد تمديد الوقت أمام بطل تلك النسخة، المنتخب الألماني. كانت تلك الفرصة مواتية جداً للإطاحة بمنتخب فرنسي كان يُعتبر متواضعاً نسبياً في تلك الفترة وفي طور إعادة البناء، لتتأجل المواجهة الحلم إلى إشعار آخر.
جيل بيتكوفيتش الواعد أمام ترسانة ديشامب.. معركة المواهب
اليوم، تختلف المعطيات جذرياً. فكتيبة “الديوك” تحت قيادة ديدييه ديشامب تبدو في أوج جاهزيتها، متسلحة بجيل ذهبي وثراء رهيب في التعداد البشري وفي جميع المناصب، ما يجعلهم رقماً صعباً ووصيفاً مرعباً لبطل العالم. قد يميل ميزان التفوق الفردي والجماعي نسبياً لصالح الفرنسيين على الورق، لكن المنتخب الوطني يمتلك اليوم أسلحة من نوع آخر.
التشكيلة الحالية لـ “محاربي الصحراء” تحت إشراف المدرب فلاديمير بيتكوفيتش، تبدو أجهز من أي وقت مضى لمقارعة كبار القارة العجوز. إنها تشكيلة معززة بمواهب شابة من الطراز الرفيع، أسماء تلعب في المستوى العالي ولا تقل موهبة عن نظيرتها الفرنسية، على غرار ريان آيت نوري، إبراهيم مازة، وأمين غويري. وما يزيد من إثارة هذه المواجهة المحتملة، هو أن العديد من هؤلاء اللاعبين يمتلكون خلفية وتكويناً وقصصاً مرتبطة بفرنسا، مما يضفي طابعاً تنافسياً خاصاً.
العامل الذهني.. مفتاح الحسم في السيناريو الحلم
إن تحققت المعجزة ووضعتنا تقاطعات المونديال الأمريكي وجهاً لوجه أمام فرنسا، فإن الحسم لن يكون تكتيكياً أو بدنياً فحسب. في مثل هذه المواعيد التاريخية المشحونة بالعواطف والتاريخ، سيكون للجانب الذهني والتحضير النفسي الدور الأبرز في صناعة الفارق. فهل تبتسم أقدار الساحرة المستديرة، ويتجدد العهد أخيراً بين الجزائر وفرنسا في أكبر مسرح كروي عالمي؟


