تفصلنا أيام معدودات عن قص شريط المشاركة الخامسة للمنتخب الوطني الجزائري في نهائيات كأس العالم.
وبقدر ما يحمل هذا الحضور المونديالي الجديد من شحن معنوي وآمال جماهيرية عريضة، بقدر ما يستوجب العودة برصانة ودون عواطف إلى دفاتر الماضي؛ تصفح خطوط التاريخ و إحصائيات يؤكد بصوت مسموع أن نجاح “الخضر” أو إخفاقهم في المحافل العالمية لم يكن يوماً مرتبطاً بجودة الأسماء الفردية، بل بمدى فرض الانضباط، وعزل المجموعة عن الضغوطات، وحماية “النية” السائدة داخل غرف تغيير الملابس.
1982 مقابل 1986.. عندما تصنع الشخصية الفارق بين الملحمة والمهزلة
إذا عدنا إلى مونديال إسبانيا 1982، نجد أنها المشاركة الأبرز تاريخياً بتحقيق انتصارين في دور المجموعات. السر هناك لم يكن فنياً بحتاً، بل كان يكمن في شخصية أصغر مدرب قاد الخضر عالمياً، محي الدين خالف؛ رجل الانضباط الذي لم يسمح لأي طرف بإملاء التشكيلة عليه. الكواليس تذكر أنه قبل المونديال بأيام، طرد خالف المدافع مجادي (أحسن ظهير أيمن في الدوري الفرنسي مع موناكو آنذاك) رفقة قريشي بسبب سهرهما في ملهى ليلي. ورغم غطرسة مجادي ورحيله، فرض خالف على قريشي لكي يبقى أن يمرر عريضة اعتذار يوقع عليها جميع اللاعبين دون استثناء لاعب واحد، في رسالة تكتيكية صارمة قادتنا لقهر تكتل ألمانيا والنمسا الشهير.
في المقابل، جاءت نسخة المكسيك 1986 سلبية بامتياز (نقطة وحيدة وهدف من كرة ثابتة)، ورغم امتلاك جيل ذهبي وتقديم لقاء بطولي أمام البرازيل، إلا أن السقوط كان إدارياً ونفسياً. المدرب الشيخ رابح سعدان، وبالرغم من كفاءته التقنية، دفع ضريبة عدم التحكم في المجموعة وفرض قناعاته؛ حيث فرضوا عليه طاقماً جديداً (دحلب وجداوي) قبل المونديال، فحدث الشرخ المأساوي بين المحترفين والمغتربين. وصلت التكتلات لدرجة تقسيم الإقامة بجناحين مختلفين وتناول الوجبات في مطاعم منفصلة، ودفع بلومي ومناد ومغارية ضريبة فرض لاعبين آخرين، لتعود أسماء مستبعدة مثل مجادي، وتنفجر شجارات صامتة (مثل صدام بن مبروك وبلومي) عجلت بالخروج المر.
2010 مقابل 2014.. عبث الوديات في صربيا مقابل عناد وحشية حاليلوزيتش
تكرر السيناريو ذاته مع الشيخ سعدان في مونديال جنوب إفريقيا 2010؛ حيث خرجنا بنقطة ودون أي هدف. المحطة المفصلية لم تكن في المونديال بل بدأت في مارس عقب الخسارة الودية أمام صربيا (3-0)، عندما أقحم المدرب 3 لاعبين في الارتكاز (لحسن، منصوري، يبدة) لعدم امتلاكه شجاعة إبقاء أحدهم احتياطياً، ليمتص غضب الشارع صبيحة اليوم الموالي بتصريح كارثي أعلن فيه استبعاد 7 لاعبين دفعة واحدة قبل المونديال بثلاثة أشهر، مما فكك روح المجموعة التي صنعت ملحمة أم درمان. وجاءت صافرات الاستهجان ضد منصوري في ودية الإمارات كـ “رخصة شرعية” لسعدان لإبعاد قائد الفريق نحو المدرجات، تزامناً مع ضخ أسماء جديدة في آخر تربص (مبولحي، قدير، بودبوز، قديورة، بلعيد) أطاحت بالتكامل، لتنتهي المغامرة بحالة تسيب وسهرات ليلية في الفندق.
على النقيض تماماً، أسست نسخة البرازيل 2014 لنجاح تاريخي ببلوغ الدور الثاني وإثارة رعب ألمانيا وبلجيكا. المدرب وحيد حاليلوزيتش قاد مشروعاً ثورياً، ولم يتأثر باعتزال الركائز (عنتر يحيى، بلحاج، زياني)، وظل ثابتاً أمام انتقادات “كان 2013″، مؤمناً بأسماء محلية (سليماني، سوداني، جابو، حليش، بلكالام) مع تطعيم ذكي بأسماء مثل ماندي ومحرز — اللذين تحولا لاحقاً لأكثر من حمل الألوان الوطنية على مدار 12 عاماً. وحيد غادر مرفوع الرأس رغم توسلات الرئيس بوتفليقة للبقاء، لسبب واحد: “رفض أي تدخل في صلاحياته التكتيكية”.
مونديال 2026.. عتمة التسريبات وفرض الأجواء الملائمة
اليوم، ونحن على أعتاب التجربة الخامسة، تبدو الأجواء الداخلية لبيت “الخضر” ممتازة ومبشرة؛ فالروح الجماعية عالية، والجميع مبتهج ومسرور سواء من شارك أو من غاب، ولعل الموقف الهادئ للحارس بن بوط بالإعلان عن اعتزاله الدولي دون تجريح يعكس حالة الاحترام السائدة.
لكن، وبصراحة تستوجب النقد البناء، فإن سياسة الغموض والتسريبات المحيطة بـ قائمة بيتكوفيتش لكأس العالم 2026 عكرت صفو المحيط الرياضي. كان من الأجدر والأنفع تقنياً ونفسياً الإعلان الرسمي عن القائمة قبل أيام؛ ليرتاح الجميع من لاعبين، وصحافيين، وجماهير. كنا سنناقش ونحلل وننتقد لمدة يومين ثم ينتهي الأمر ليتفرغ الجميع لدعم التشكيلة. أما ترك القائمة معلقة ليكتشفها المتابعون في المطار يوماً بعد يوم، فهو تسيير يبقي الضغط والتركيز مصلتاً على الخيارات والأسماء لا على المنافسة ذاتها.


