بعد بن بوط ..قبال يلمح  بسبب “الدقائق الضائعة”

لم تتوقف تداعيات مشاركة المنتخب الجزائري في كأس أمم إفريقيا 2025 عند حدود الخروج من المنافسة، بل امتدت إلى غرفة الملابس وما حولها، بعدما قرر الحارس أسامة بن بوط وضع حد لمسيرته الدولية عقب البطولة، في خطوة فُهمت على نطاق واسع بوصفها احتجاجا على قلة الفرص وتجميد دوره داخل المجموعة. بن بوط أعلن اعتزاله عبر رسالة رسمية موجهة للاتحاد الجزائري لكرة القدم، وهي رسالة حسمت الجدل وأكدت أن ما حدث في الكان لم يكن مجرد “اختيارات عابرة”، بل ترك أثرا نفسيا لدى بعض العناصر التي رأت نفسها خارج الحسابات.

قصة بن بوط تلخص الوجه الآخر للبطولات الكبرى: ليس كل لاعب يعيش المنافسة داخل الملعب، فهناك من يعيشها على الدكة حتى النهاية. تقارير تحدثت عن أن الحارس ظل دون دقائق خلال النهائيات، وهو ما جعل القرار يبدو أقرب إلى “رد فعل” على وضعية فنية داخل المنتخب أكثر من كونه قرارا مرتبطا بالعمر أو نهاية طبيعية لمسار دولي. في العادة، يمكن لأي مدرب أن يبرر اختياراته في حراسة المرمى بالاستقرار وبالحاجة إلى حارس أول واضح، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الاستدعاء إلى حضور شرفي، وعندما يشعر لاعب بأنه جزء من القائمة فقط لملء المقاعد، لا للمنافسة الفعلية.

وبعيدا عن الاعتزال المباشر، جاءت تلميحات إيلان قبال لتزيد الصورة تعقيدا. اللاعب سبق أن تحدث علنا عن رغبته في اللعب أكثر مع المنتخب وشعوره بأن الدقائق لا تعكس ما يقدمه مع ناديه، وهي تصريحات لا تحمل هجوما مباشرا، لكنها تفتح الباب أمام سؤال واضح: ماذا يفعل لاعب داخل بطولة قارية إذا كان لا يشعر أنه داخل “الخطة”؟ قبال، الذي يبحث دائما عن الإيقاع والثقة، يملك ما يثبت أنه يتوهج حين يحصل على الاستمرارية، وقد جاء الرد سريعا على أرض الواقع مع باريس إف سي عندما سجل هدفا مبكرا أمام نانت وساهم في فوز فريقه 2-1، في إشارة مزدوجة: اللاعب موجود وجاهز، لكن المشكلة كانت في مساحة الثقة داخل المنتخب لا في قدرته على العطاء.

النقاش هنا لا يتعلق بشخص بيتكوفيتش بقدر ما يتعلق بفلسفة الاختيار في البطولات القصيرة. أي مدرب في “كان” يواجه معادلة قاسية: الفوز أولا ثم التفاصيل، لأن مباراة واحدة قد تنهي كل شيء. لذلك يميل كثيرون إلى الاعتماد على نواة ثابتة وتقليص المخاطرة، وهو منطق مفهوم عندما تكون النتائج إيجابية. لكن عندما تظهر حالات مثل بن بوط، ويتكرر الحديث عن محدودية دقائق لاعبين آخرين، يصبح الملف أكبر من مباراة أو خطة لعب، ويتحول إلى سؤال عن إدارة المجموعة: هل تم توضيح الأدوار؟ هل كانت هناك قناعة مشتركة بأن الجميع قد يحتاجه الفريق؟ أم أن بعض العناصر فهمت متأخرة أنها مجرد خيارات احتياطية لن تلمس العشب إلا في ظروف استثنائية؟

من السهل بعد البطولة القول إن لاعب كذا كان يجب أن يلعب، أو إن الحارس الفلاني كان يستحق فرصة، لكن الصحافة لا تبحث فقط عن “من كان أفضل”، بل عن “لماذا حدث ذلك”. في حالة بن بوط، الاعتزال يرسل إشارة قوية بأن اللاعب لم يتقبل دوره، وهو حقه، لكنه أيضا مؤشر على أن العلاقة بين اللاعب والمنتخب تحتاج إلى إدارة أدق حتى لا تتحول الدكة إلى قطيعة. وفي حالة قبال، فإن العودة للتألق مع النادي بعد فترة إحباط تعيد النقاش حول معيار الاختيار: هل هو الجاهزية اليومية؟ أم المنافسة على المركز؟ أم الحسابات التكتيكية الخاصة بكل مباراة؟ وبين هذه الأسئلة يظهر التحدي الحقيقي أمام بيتكوفيتش: الحفاظ على الانسجام والنتائج، دون أن يخسر “العمق” المعنوي للمجموعة.

الأكيد أن هذه القصص لن تبقى تفاصيل عابرة، لأنها تضع الطاقم الفني أمام امتحان مهم في الاستحقاقات القادمة: كيف تُدار الدقائق داخل المنتخب، وكيف يتم تحويل القائمة إلى منافسة حقيقية بدل أن تصبح أدوارا ثابتة لا تتغير؟ الجزائر لا ينقصها اللاعبون، لكنها تحتاج إلى نموذج واضح في التسيير النفسي والفني، حتى لا تتكرر سيناريوهات الإحباط التي قد تدفع أسماء أخرى إلى الصمت أو إلى خطوات قاسية. وبين اعتزال بن بوط وتلميحات قبال، الرسالة واضحة: داخل المنتخب نقاش صامت حول العدالة في الفرص، وحول معنى الانتماء حين تكون المشاركة محدودة.