تفاصيل تجديد عقد بيتكوفيتش وتحديات مونديال 2026

تعيش الأوساط الرياضية الجزائرية في الآونة الأخيرة حالة من الترقب الإيجابي، تزامناً مع التطورات المتسارعة التي يشهدها ملف الطاقم الفني للمنتخب الوطني الأول. ففي خطوة تعكس الرغبة المشتركة في إرساء دعائم الاستقرار ومواصلة المشروع الرياضي الطموح، منح المدرب البوسني فلاديمير بيتكوفيتش الضوء الأخضر للاتحاد الجزائري لكرة القدم (الفاف) من أجل تمديد فترة إشرافه على العارضة الفنية لـ “محاربي الصحراء”.

وتأتي هذه الموافقة المبدئية لتقطع الشك باليقين وتنهي أي تكهنات حول مستقبل الإدارة الفنية، لتضع بذلك عقد بيتكوفيتش الجديد على طاولة المفاوضات النهائية، تمهيداً لخوض غمار التحديات القارية والعالمية الكبرى التي تنتظر رفقاء القائد رياض محرز خلال السنتين القادمتين، وعلى رأسها تصفيات كأس العالم 2026.

أكدت التطورات الأخيرة أن مسألة تجديد عقد بيتكوفيتش تسير في الطريق الصحيح وبخطى ثابتة، حيث صرح رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم، السيد وليد صادي، في كواليس مبنى دالي إبراهيم، أن التقني البوسني قد وافق رسمياً على مبدأ التجديد، مما يبدد بصفة قطعية أي إشاعات حول وجود خلافات جوهرية أو انقسامات بين الطرفين. وفي تفاصيل هذه المفاوضات، بادرت هيئة “الفاف” بتقديم عرض أولي لبيتكوفيتش الذي استلم مقاليد الحكم في شهر مارس 2024. وبطبيعة الحال، وكما هو معمول به في المستويات العالية من الاحتراف الرياضي، قام المدرب بتحويل هذا العرض إلى طاقمه من المستشارين القانونيين لدراسته بعناية فائقة.

وقد أثمرت هذه الدراسة عن تقديم عرض مضاد من طرف ممثلي بيتكوفيتش، يتضمن مجموعة من التعديلات الدقيقة التي تخص بعض البنود والشروط القانونية. وتُصنف هذه النقاشات الجارية حالياً في خانة الإجراءات “الروتينية” والطبيعية جداً في عالم الساحرة المستديرة، حيث يسعى كل طرف، سواء الاتحاد أو المدرب، لضمان أفضل الشروط التي تحمي حقوقه وتوفر بيئة عمل مثالية. وتعكف اللجنة القانونية للاتحاد الجزائري حالياً على دراسة المقترح الجديد للبت فيه، وسط توقعات بحسم ملف عقد بيتكوفيتش وتوقيعه بصفة رسمية قبل حلول فترة التوقف الدولي المقررة من طرف الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في شهر جوان القادم، لضمان دخول المنتخب في معسكراته القادمة بذهن صافٍ وتركيز عالٍ.

يحظى الجانب المالي في عقد بيتكوفيتش باهتمام إعلامي وجماهيري كبير، كونه يعكس قيمة الاستثمار الذي تضعه الدولة الجزائرية والاتحادية في سبيل استعادة بريق المنتخب الوطني. واستناداً إلى مصادر إعلامية مطلعة ومقربة من كواليس الاتحاد الجزائري لكرة القدم، فإن الراتب الشهري الصافي للمدرب فلاديمير بيتكوفيتش في عقده الحالي يُقدر بحوالي 135 ألف يورو. وهو الراتب الذي تم الاتفاق عليه عند استلامه المهام خلفاً للمدرب السابق جمال بلماضي، ويُعتبر من بين الرواتب المحترمة جداً على الساحة الإفريقية والتي تتناسب مع السيرة الذاتية لمدرب قاد المنتخب السويسري لسنوات طويلة في كبرى المحافل الأوروبية والعالمية.

ومع انطلاق مفاوضات التجديد، تشير المعطيات إلى أن الراتب الأساسي قد لا يشهد زيادة فلكية، بل سينصب التركيز في النسخة المحدثة من عقد بيتكوفيتش على نظام الحوافز والمكافآت (Les Primes). حيث تسعى “الفاف” لربط أي امتيازات مالية إضافية بتحقيق الأهداف المسطرة بدقة، وذلك من خلال إدراج بنود تضمن حصول المدرب وطاقمه المساعد على مكافآت ضخمة في حال التتويج بكأس أمم إفريقيا، ومكافأة استثنائية أخرى في حال اقتطاع تأشيرة التأهل إلى نهائيات كأس العالم 2026، وهو ما يخلق حافزاً إضافياً للطاقم الفني للعمل بجهد مضاعف وتحقيق تطلعات الجماهير الجزائرية الشغوفة.

لم يكن اختيار فلاديمير بيتكوفيتش لقيادة سفينة “الخضر” مبنياً على العاطفة، بل استند إلى مشروع رياضي متكامل. وينص عقد بيتكوفيتش، سواء الحالي أو الممدد، على جملة من الأهداف الرياضية الصارمة التي لا تقبل المساومة. يأتي في مقدمتها الهدف القاري المتمثل في لعب الأدوار الأولى وبلوغ المربع الذهبي كأقل تقدير في نهائيات كأس أمم إفريقيا القادمة (كان 2025) المقررة في المملكة المغربية، مع السعي الجاد للمنافسة على اللقب القاري لاستعادة الهيبة التي ضاعت في النسختين الأخيرتين بالكاميرون وكوت ديفوار.

وإلى جانب الأهداف التنافسية، يقع على عاتق بيتكوفيتش هدف هيكلي عميق يتمثل في تجديد دماء المنتخب الوطني وضخ حيوية جديدة في التشكيلة. وقد بدأ المدرب البوسني فعلياً في تجسيد هذا البند من خلال دمج العديد من المواهب الشابة والمزدوجي الجنسية، على غرار إبراهيم مازة، وريان آيت نوري، وأمين غويري، مع الحفاظ على خبرة الركائز الأساسية، لخلق مزيج متجانس قادر على حمل المشعل لسنوات قادمة وتأسيس جيل قوي يصنع أفراح الكرة الجزائرية.

وبعد أن نجح في تحقيق الهدف الأسمى الذي صُيغ من أجله عقد بيتكوفيتش، متمثلاً في قيادة “محاربي الصحراء” لاقتطاع تأشيرة التأهل رسمياً وبجدارة إلى نهائيات كأس العالم 2026، تتجه الأنظار الآن نحو التحدي الحقيقي المنتظر في الملاعب الأمريكية والمكسيكية والكندية. فبعد الغياب المرير عن نسخة قطر 2022، تعود الجزائر من الباب الواسع لتجد نفسها أمام قرعة مونديالية مثيرة وحماسية، حيث أوقعتها في مجموعة تنافسية قوية تضم كلاً من بطل العالم، المنتخب الأرجنتيني، إلى جانب المنتخب النمساوي الممثل للمدرسة الأوروبية المنظمة، والمنتخب الأردني الطموح الذي سجل تطوراً لافتاً في الكرة الآسيوية مؤخراً.

وأمام هذه المعطيات الميدانية والقرعة الحاسمة، يُعد الحسم النهائي في تجديد عقد بيتكوفيتش خطوة استباقية حتمية لضمان الاستقرار الفني والنفسي للمجموعة قبل السفر إلى أمريكا الشمالية. فمواجهة ترسانة “التانغو” الأرجنتيني تتطلب تحضيراً تكتيكياً وذهنياً من أعلى مستوى، بينما لن تكون مواجهتا النمسا والأردن بالسهولة التي يتوقعها البعض في ظل تطور مستويات المنتخبات، مما يفرض على الناخب الوطني وضع خطة استراتيجية دقيقة للعبور إلى الدور القادم. إن استمرار بيتكوفيتش على رأس العارضة الفنية سيبعث برسالة طمأنينة واستقرار للاعبين والجماهير على حد سواء، ليؤكد أن المنتخب يمتلك رباناً خبيراً قادراً على توجيه السفينة وسط أمواج المونديال العاتية، وتحقيق حلم بلوغ أدوار متقدمة تعكس القيمة الحقيقية للكرة الجزائرية.