في حوار إعلامي لافت ومثير للاهتمام، عاد النجم الدولي الجزائري السابق رفيق صايفي إلى ذكرياته مع المنتخب الوطني، ليروي تفاصيل قصة غير عادية ارتبطت بالرقم 18، وهي قصة تحمل في طياتها الكثير من الرمزية والعاطفة. لم تكن هذه الحادثة مجرد اختيار لقميص يرتديه لاعب في مباراة، بل تحولت إلى لحظة تاريخية تجسدت فيها روح الفريق الواحد والتضامن بين زملاء الساحرة المستديرة.
رحلة محفوفة بالمخاطر إلى رواندا
تعود أحداث القصة إلى فترة لم تكن فيها الأمور مستقرة، حين سافر المنتخب الجزائري إلى رواندا في ظروف استثنائية. كانت البلاد غارقة في حرب أهلية طاحنة، ولم يكن السفر إليها بالأمر الهين. وصل “محاربو الصحراء” على متن طائرة عسكرية، وسط أجواء مشحونة بالتوتر والمخاطر الأمنية. لم تكن المهمة مجرد مباراة كرة قدم، بل اختباراً حقيقياً لعزيمة اللاعبين وروحهم القتالية خارج الملعب وداخله.
في خضم هذه الظروف القاسية، كان على اللاعبين التأقلم مع الوضع والاستعداد لخوض المباراة. ومن هنا بدأت القصة التي تركت بصمة في ذاكرة رفيق صايفي، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من مسيرته مع المنتخب.
لحظة اختيار رفيق صايفي الرقم 18
في غرفة تغيير الملابس، وبينما كان الجميع يستعد للمباراة، وجد صايفي نفسه أمام قرار عفوي. كان الرقم 10، الذي يرتديه عادة الهداف عبد الحفيظ تاسفاوت، متاحاً في تلك اللحظة، لكن صايفي اختار بشكل مفاجئ أن يرتدي الرقم 18 بدلاً منه. لم يكن هذا الاختيار مدروساً أو مبنياً على تفكير طويل، بل جاء كحركة تلقائية تعكس شخصية اللاعب الحرة والجريئة.
لكن هذا القرار لم يمر دون أن يثير انتباه مسؤول المعدات، الذي سارع إلى تنبيه صايفي بأن الرقم 18 مخصص للاعب البارز موسى صايب، أحد أعمدة المنتخب آنذاك. كان من الممكن أن يتحول الأمر إلى سوء تفاهم أو توتر بسيط بين اللاعبين، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً.
تضامن موسى صايب وروح الفريق
بدلاً من أن يعترض أو يتمسك بحقه في الرقم، أظهر موسى صايب روحاً رياضية عالية. لم يكتفِ بقبول قرار صايفي فحسب، بل بارك له اختياره للرقم 18، متمنياً أن يكون مصدر حظ ونجاح له في مسيرته. في المقابل، اختار صايب أن يرتدي الرقم 8، في لفتة تعكس مرونته وإيثاره، وتؤكد على الأخوة التي كانت تجمع لاعبي المنتخب في تلك الفترة.
هذا التضامن لم يكن مجرد تصرف عابر، بل كان انعكاساً للروح الجماعية التي سادت المنتخب الجزائري في تلك الرحلة الصعبة. في وقت كانت فيه الظروف الخارجية تضع الجميع تحت ضغط هائل، اختار اللاعبون أن يدعموا بعضهم البعض، مما جعل هذه اللحظة رمزاً للوحدة والتكاتف.
الرقم 18 يصبح فأل خير
لم يكن اختيار الرقم 18 مجرد قصة عابرة في حياة رفيق صايفي، بل تحول إلى علامة فارقة في مسيرته. فقد أكد اللاعب السابق أن هذا الرقم أصبح محظوظاً بالنسبة له، حيث ارتبط بإنجاز كبير في تاريخه مع المنتخب الوطني. في إحدى المباريات الحاسمة، تمكن صايفي من تسجيل هدف التأهل إلى كأس أمم أفريقيا، وهو الهدف الذي بقي محفوراً في ذاكرة الجماهير الجزائرية.
هذا الإنجاز جعل الرقم 18 أكثر من مجرد رقم على قميص، بل رمزاً للنجاح والمثابرة. وفي روايته لهذه القصة، بدا صايفي وكأنه يستعيد تلك اللحظات بفخر وحنين، مؤكداً أنها واحدة من أجمل الذكريات في مسيرته الكروية.
رمزية القصة ودلالاتها
قصة الرقم 18 ليست مجرد حكاية فردية عن رفيق صايفي أو موسى صايب، بل هي انعكاس لروح المنتخب الجزائري في أوقات الشدة. في ظل الحرب والفوضى التي كانت تعيشها رواندا، وفي مواجهة التحديات اللوجستية والنفسية، أظهر اللاعبون تماسكاً وتضامناً قلّ نظيره. اختيار رقم على قميص تحول إلى قصة تروى عبر السنين، لأنها تحمل في طياتها قيم الصداقة والروح الرياضية.
إن ما يجعل هذه الحادثة مميزة هو بساطتها وعمقها في آن واحد. فمن لحظة عفوية في غرفة تغيير الملابس، ولدت ذكرى تاريخية أثرت في مسيرة لاعب، وألهمت جماهير بأكملها. ويبقى السؤال: كم من القصص المشابهة التي لم تُروَ بعد عن أبطال المنتخب الجزائري الذين صنعوا تاريخ “الخضر” في الظل؟
رواية رفيق صايفي عن الرقم 18 ليست مجرد سرد لتفاصيل مباراة أو رحلة، بل هي شهادة حية على الروابط الإنسانية التي تجمع اللاعبين في أحلك الظروف. من رواندا المضطربة إلى هدف التأهل لكأس أمم أفريقيا، يبقى الرقم 18 شاهداً على مسيرة لاعب ترك بصمته في قلوب الجزائريين، وعلى فريق واجه الصعاب بروح لا تعرف الاستسلام.



التعليقات