عاد الجدل حول سياسة استقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية إلى الواجهة في الجزائر، بعد تداول أسماء جديدة مرشحة للانضمام إلى المنتخب الوطني خلال المواعيد المقبلة. ومع كل اسم يظهر فجأة في “الرادار”، ينقسم النقاش سريعًا بين من يعتبره إضافة فنية قد ترفع مستوى المنافسة داخل المجموعة، وبين من يرى أن القضية لم تعد تقنية فقط، بل مرتبطة بالهوية وبمنطق “من يختار من؟” ومتى يتم هذا الاختيار. وفي ظل غياب خطاب رسمي واضح يشرح المعايير ويضع سقفًا لهذا الملف، تتحول كل إشاعة أو تسريب إلى مادة ساخنة، وتصبح صفحات التواصل هي من تقود النقاش بدل أن تقوده رؤية رياضية مدروسة.
مكسيم لوبيز… باب المنتخب مفتوح ولكن الأسئلة أكبر من التصريحات
اسم مكسيم لوبيز عاد بقوة في الأيام الأخيرة، خاصة بعد تصريحات حديثة أكد فيها أنه سيقبل تمثيل الجزائر “إذا تم استدعاؤه”، بل وذهب أبعد من ذلك عندما قال إنه سيأتي حتى لو لم تكن هناك كأس أمم إفريقيا أو كأس عالم، في محاولة واضحة لنفي تهمة “الانتهازية” المرتبطة بتوقيت العودة. هذه التصريحات منحت أنصار هذا الخيار مادة للدفاع عنه: لاعب وسط بخبرة أوروبية، قادر على منح المنتخب حلولًا إضافية في منطقة حساسة. لكن في المقابل، هناك من يقرأ الملف من زاوية أخرى: لماذا لم يُحسم القرار في سنوات سابقة؟ ولماذا يظهر هذا الاستعداد الإعلامي الآن تحديدًا؟ السؤال هنا لا يهاجم اللاعب بقدر ما يطالب بمنطق ثابت: اللاعب الذي يختار مشروع المنتخب يجب أن يكون جزءًا من مسار طويل، لا مجرد عنوان موسمي يُستعمل عند الحاجة.
لماذا يتحول ملف “المزدوجين” دائمًا إلى معركة رأي عام؟
السبب بسيط: الجمهور لا يتعامل مع المنتخب كفريق فقط، بل كرمز. لذلك، أي لاعب يتردد أو يترك مسافة، ثم يعود في ظرف معين، سيُقابل تلقائيًا بتساؤلات حول الدوافع. وفي المقابل، لا يمكن أيضًا تجاهل أن كرة القدم الحديثة أصبحت سوقًا تنافسية، واللاعبون يعيشون ضغوطات ومسارات معقدة، وقد يتغير قرارهم مع الزمن. المشكلة ليست في أن يتغير القرار، بل في أن يبقى المشروع الوطني بلا معايير معلنة: متى نقبل؟ ولماذا نقبل؟ وبأي شروط على مستوى الالتزام والاندماج والانضباط؟ عندما تغيب الإجابات الرسمية، يتحول الملف إلى “محكمة جماهيرية” كل مرة، ويصبح الجدل أكبر من اللاعب نفسه.
خاليص مراح… نموذج الرهان الذكي قبل فوات الأوان
في الجهة المقابلة من النقاش، يبرز خيار يراه كثيرون أكثر عقلانية: الاستثمار في المواهب الصاعدة مبكرًا بدل انتظار انفجارها ثم الدخول في سباق الاستقطاب. هنا يطفو اسم الشاب خاليص مراح (18 سنة)، لاعب أولمبيك ليون، كحالة تُقدَّم على أنها “رهان مشروع” لا “رهان لحظة”. اللاعب يملك ثاني جنسية (الجزائر) ويخوض أولى خطواته على أعلى مستوى، وبدأ يسجل حضوره في المنافسات الأوروبية مع ليون، حيث تُظهر بيانات الدوري الأوروبي أنه شارك في 6 مباريات هذا الموسم بمجموع 256 دقيقة وقدم تمريرة حاسمة واحدة. ورغم أن هذه الأرقام لا تصنع نجمًا جاهزًا، إلا أنها مؤشر على لاعب في طور البناء، والاستثمار فيه مبكرًا قد يمنح الجزائر مكسبًا استراتيجيًا على مدى سنوات، بدل الاكتفاء بحلول متأخرة عند اقتراب المواعيد الكبرى.
الرهان الحقيقي ليس “من الاسم؟” بل “ما هو المشروع؟”
المنتخب الوطني لا يحتاج إلى معارك على الأسماء بقدر ما يحتاج إلى سياسة واضحة وثابتة: باب المنتخب يجب أن يبقى مفتوحًا لمن يملك الإضافة ويلتزم بالمشروع، لكن دون أن يتحول إلى محطة عبور ظرفية أو “خطة بديلة” عند إغلاق أبواب أخرى. النجاح الحقيقي سيكون عندما تصبح القرارات مفهومة حتى لمن يختلف معها: معايير فنية، متابعة مبكرة للمواهب، تواصل مباشر مع اللاعبين، ثم إدماج تدريجي داخل المجموعة وفق خطة واضحة. عندها فقط، سيتحول ملف مزدوجي الجنسية من جدل موسمي إلى جزء طبيعي من استراتيجية بناء منتخب قوي ومستدام.


