يبدو الإسباني فيليكس سانشيز الأقرب لخلافة السويسري فلاديمير بيتكوفيتش على مقعد تدريب المنتخب الجزائري، وسط إجماع شبه معلن داخل دوائر اتخاذ القرار. ومع تصاعد وتيرة الحديث عن هذا الترشيح، تبرز أهمية العودة إلى السيرة التدريبية الكاملة للرجل، لفهم الطريق الذي قطعه قبل أن يصل اسمه إلى طاولة الاتحاد الجزائري لكرة القدم.
من قاعدة برشلونة الشبابية إلى مغامرة قطر الطويلة
لم تبدأ حكاية سانشيز التدريبية في الدوحة كما يعتقد كثيرون، بل في أكاديمية نادي برشلونة، حيث أشرف بين عامي 1996 و2006 على تدريب فئة الشباب (U19)، في مدرسة تُعرف عالميًا بصرامتها التكتيكية وتركيزها على بناء اللاعب من قواعده الأولى. عشر سنوات كاملة قضاها هناك، شكّلت الأساس الفكري الذي سيحمله معه لاحقًا إلى قارة أخرى.
في عام 2006، انتقل سانشيز إلى قطر ليتولى الإشراف الفني على أكاديمية أسباير حتى 2013، قبل أن يبدأ تدرجه داخل الهرم التدريبي لمنتخبات قطر الشبابية: قاد منتخب الشباب تحت 19 سنة بين 2013 و2015، ثم منتخب الشباب تحت 20 سنة بين 2014 و2017 بسجل قوامه 2 فوز و0 تعادل و4 هزائم، قبل أن يتولى قيادة المنتخب الأولمبي القطري عام 2017 محققًا 5 انتصارات مقابل 5 تعادلات و7 هزائم.
في قطر: كأس آسيا التاريخية وخيبة المونديال
بين عامي 2017 و2022، تولى سانشيز مقاليد المنتخب الأول لقطر، في أطول وأهم محطة في مسيرته، بسجل حافل بلغ 36 فوزًا مقابل 13 تعادلًا و24 هزيمة. وشهدت هذه الفترة أبرز إنجاز في مسيرته حين قاد “العنابي” للتتويج بـكأس آسيا 2019، ليضع اسمه على خارطة المدربين الصاعدين في القارة الآسيوية.
غير أن الصورة تغيّرت بشكل لافت في كأس العالم 2022 التي استضافتها قطر على أرضها، إذ ودّع المنتخب القطري البطولة من الدور الأول بثلاث هزائم متتالية ومن دون تسجيل أي نقطة، في نتيجة اعتُبرت مخيبة للآمال بالنظر إلى عامل الأرض والجمهور والاستعدادات الطويلة لهذا الاستحقاق.
محطة الإكوادور والعودة إلى السد
بعد قطر، خاض سانشيز تجربة قارية جديدة بقيادته منتخب الإكوادور بين عامي 2023 و2024، حيث حقق سجلًا من 10 انتصارات و4 تعادلات و5 هزائم، قبل أن يقود “لا تري” إلى تجاوز دور المجموعات في بطولة كوبا أمريكا ثم الخروج من ربع النهائي.
وفي محطته الأخيرة قبل الترشيح الجزائري، عاد سانشيز إلى نادي السد القطري بين 2024 و2025، بسجل بلغ 26 فوزًا و10 تعادلات و11 هزيمة، في تجربة ثانية لم تحمل نفس بريق تتويجه الأول بلقب الدوري القطري في فترته الأولى مع الفريق.
انضباط تكتيكي وهدوء بعيد عن الأضواء
بحسب المعطيات المتوفرة، يُعرف فيليكس سانشيز بميله إلى الانضباط التكتيكي والصلابة الدفاعية، مع تركيز واضح على المنظومة الجماعية داخل الملعب، واعتماد متكرر على أسلوب “المهاجم الوهمي” (False Nine)، وهي خطة تكتيكية تتطلب انسجامًا وفهمًا عاليًا بين اللاعبين. على الصعيد الشخصي، يوصف سانشيز بأنه مدرب هادئ الطباع، بعيد عن الصدامات الإعلامية والأجواء المتوترة.
أسئلة تنتظر الإجابة
يبقى السؤال الأبرز المطروح: هل سانشيز فعلاً الاختبار الأخير للاتحاد الجزائري في ملف اختيار المدرب؟ وهل كان الخيار الأول الذي رشحته اللجنة التقنية، أم مجرد واجهة لقرار اتُّخذ مسبقًا؟
وإذا كان الرهان قائمًا على الجنسية الإسبانية لسانشيز وما يُعرف بـ”الفلسفة الإسبانية” في كرة القدم، فمن الإنصاف التذكير بأن الجزء الأكبر من مسيرته التدريبية – أكثر من عقدين تقريبًا – جرى خارج إسبانيا، بين قطر والإكوادور. وهو ما يعني أن نقل هذه الفلسفة إلى المنتخب الجزائري لن يكون أمرًا سهلًا أو سريع التحقق، بل يتطلب وقتًا كافيًا واستقرارًا إداريًا وصبرًا من الجماهير والإدارة على حد سواء.
في النهاية، يبقى الميدان وحده هو الحكم الحقيقي القادر على إثبات صحة هذا الاختيار أو نفيه. فسواء تحقق التعيين رسميًا أم لا، فإن التحديات التي تنتظر خليفة بيتكوفيتش كبيرة، وتتطلب مشروعًا فنيًا واضح المعالم لا مجرد اسم جديد على مقعد “الخضر”.



التعليقات