في عالم كرة القدم، حيث تخطف الأهداف والمراوغات الاستعراضية عدسات الكاميرات، هناك جنود مجهولون يمثلون العمود الفقري لأي مشروع رياضي ناجح. وحين نتحدث عن وسط ميدان المنتخب الوطني الجزائري حالياً، فإن القاعدة باتت واضحة ولا تقبل الجدل: حين تطأ قدماه المستطيل الأخضر، تُحسم هوية الأفضل سلفاً، وتصبح المنافسة مقتصرة على المركز الثاني فما دونه. إنه هشام بوداوي، ظاهرة خط الوسط والقطعة التكتيكية التي لا تُمس.
حجر الأساس في “رقعة” بيتكوفيتش
لم يأتِ ثبات مستوى بوداوي بمحض الصدفة، بل هو نتاج نضج تكتيكي مبهر جعله يتحول إلى الركيزة الأساسية للناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش على مدار السنتين الماضيتين.
لقد أصبح خريج أكاديمية نادي بارادو حجر الأساس الذي تُبنى عليه جميع الخطط التكتيكية لـ “الخضر”. وسواء قرر بيتكوفيتش الاعتماد على ثنائي ارتكاز لغلق المنافذ، أو ثلاثي في خط الوسط للسيطرة على الاستحواذ، يظل بوداوي العنصر الثابت الذي يتكيف مع مختلف أساليب اللعب بمرونة فائقة.
تكامل مذهل: لمسة فنية وشراسة قتالية
ما يضع بوداوي في مكانة منفردة بعيداً عن بقية أقرانه، هو قدرته النادرة على المزج بين المتناقضات فوق أرضية الميدان، ويمكن تلخيص أدواره المركبة في النقاط التالية:
- مهندس الخروج بالكرة: يُعد العنصر الأهم والأكثر أماناً في عملية الخروج بالكرة وبناء الهجمات من الخلف، بفضل رؤيته الثاقبة ودقة تمريراته تحت الضغط.
- شراسة دفاعية: يمتلك مهارة فنية راقية تقابلها قدرة افتكاك عالية وحضور بدني لافت، يجعله يفوز بأغلب الصراعات الثنائية.
- تغطية شاملة “Box-to-Box”: يتواجد في كل شبر من أرجاء الملعب (دينامو حقيقي)، ولا يكتفي بأداء أدواره الهجومية والدفاعية وتأمين منطقته فحسب، بل يعمل كجدار صد لتغطية هفوات وثغرات زملائه بفضل لياقته البدنية الخرافية.
النجم المظلوم في زمن “الشو” الإعلامي
رغم كل هذا العطاء الغزير والثبات المذهل، يعيش بوداوي مفارقة رياضية قاسية. فهذا النجم المتكامل لم ينل حقه الطبيعي من الإنصاف والإشادة؛ لا على مستوى ناديه الذي غالباً ما يبخسه حقه، ولا في المنابر الإعلامية التي تركز على الأسماء الرنانة، ولا حتى من طرف شريحة واسعة من الجماهير التي قد تغفل عن أدواره التكتيكية المعقدة التي لا تظهر دائماً في لغة الأرقام المباشرة (كالأهداف والتمريرات الحاسمة).
في النهاية، وبلغة التكتيك وكرة القدم الحديثة، يمكن اختصار المشهد في وسط ميدان المنتخب الجزائري بجملة واحدة: هناك هشام بوداوي.. ثم يأتي البقية.


