لم يعد الأمر مجرد تسريبات تتداولها الأوساط الرياضية؛ فقد باتت الساعات الفاصلة تُعلن عن نفسها بوضوح: يستعد الاتحاد الجزائري لكرة القدم “الفاف” للإعلان الرسمي عن تمديد عقد بيتكوفيتش، ليبقى على رأس عارضة المنتخب الوطني الجزائري إلى غاية نهاية سنة 2028. ويُتوقع الكشف عن هذا القرار خلال الأيام القليلة المقبلة، وقبل مغادرة بعثة “الخضر” نحو هولندا لخوض المحطة الإعدادية الأخيرة قبل انطلاق نهائيات كأس العالم.
القرار الصادر من مبنى دالي إبراهيم ليس إجراءً إدارياً اعتيادياً، بل هو رسالة سياسية وفنية في آنٍ معاً: الاتحادية تضع ثقلها الكامل خلف الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش، وتمنحه التفويض الكامل لقيادة المنتخب الوطني الجزائري بيتكوفيتش في مرحلة بالغة الحساسية تمتد من مونديال 2026 إلى آفاق كأس أمم إفريقيا 2027 وما بعدها.
راتب بيتكوفيتش الجديد: أرقام تعكس مكانة الرجل
كان الحديث عن راتب بيتكوفيتش في إطار عقده الأول يدور حول 130 ألف يورو شهرياً، وهو رقم يُعدّ مقبولاً في سوق المدربين الدوليين، غير أنه لم يكن يعكس الحجم الحقيقي للتحدي الذي أُسند إلى المدرب البوسني-السويسري حين جاء في فبراير 2024 لإنقاذ مشروع كروي كان يفتقر إلى البوصلة.
ومع تمديد عقد بيتكوفيتش، دخل الطرفان في مفاوضات تفاوضية حامية كانت البداية فيها مطالبة المدرب بـ180 ألف يورو شهرياً، في ضوء ما حققه من إنجازات مُثبتة على الأرض.
ورغم أن الاتحادية لم توافق على هذا السقف، إلا أنها لم تُغلق الباب أمام رفع ملموس وعادل، فاستقرّ التفاوض في نهاية المطاف على راتب بيتكوفيتش الجديد البالغ 160 ألف يورو شهرياً.
هذا الرقم وحده يكفي لإيصال رسالة واضحة: الجزائر لا تُساوم حين يتعلق الأمر بالاستثمار في الكفاءات الفنية التي أثبتت جدارتها. وراتب بيتكوفيتش المُعدَّل يضعه في خانة المدربين ذوي الأثمان الأوروبية، وهو تكريم يُوازي حجم الإنجاز.
ما وراء الراتب: حوافز مالية مرتبطة بالمونديال
لا يختزل راتب بيتكوفيتش الجديد في رقمه الثابت وحده؛ إذ يتضمن الاتفاق الجديد منظومة متطورة من الحوافز المالية المتغيرة، مرتبطة ارتباطاً مباشراً بمستوى أداء المنتخب الوطني الجزائري بيتكوفيتش خلال نهائيات كأس العالم 2026 التي تحتضنها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك.
ويعني هذا عملياً أن كل جولة إضافية يُجتازها “الخضر” في البطولة الكونية الكبرى ستُترجَم إلى مكافأة مالية إضافية تدخل جيب المدرب. وهو نظام راسخ في التعاقدات الدولية الكبرى يُوحّد مصالح المدرب مع مصالح المنتخب، ويجعل من تمديد عقد بيتكوفيتش عقد أداء بامتياز لا مجرد استمرارية شكلية.
المنتخب الوطني الجزائري و بيتكوفيتش: مسيرة تُسوّغ كل شيء
لا يأتي تمديد عقد بيتكوفيتش من فراغ. فمنذ أن أمسك الرجل بزمام المنتخب الوطني الجزائري، رسم مساراً فنياً يشهد له حتى خصومه. الإنجاز الأكبر والأثقل تاريخياً كان التأهل المريح والمستحق إلى نهائيات كأس العالم 2026، بعيداً عن أشباح الملحق وتقلبات ليالي الحسم.
على الصعيد القاري، قدّم المنتخب الوطني الجزائري بيتكوفيتش وجهاً مُشرقاً في نهائيات كأس أمم إفريقيا بالمغرب مطلع العام الجاري، بلوغاً للدور ربع النهائي بكرة قدم هجومية جذابة أعادت الروح إلى الجماهير التي كانت تعاني من خيبات متراكمة. لم يكتفِ بيتكوفيتش بتحقيق النتائج، بل أعاد صياغة هوية الفريق وطريقة لعبه، وأضفى على “الخضر” روحاً جماعية لافتة غابت طويلاً.
هذه الحصيلة الإيجابية، الرقمية والنوعية معاً، هي التي قادت الاتحادية إلى تمديد عقد بيتكوفيتش قبل الموعد، رافعةً بذلك راتب بيتكوفيتش إلى مستوى يليق بالإنجازات المُحققة.
صادي يُحصّن المشروع من الإغراءات الخارجية
ليس سراً أن اقتراب موعد كأس العالم 2026 جعل اسم بيتكوفيتش يطرق أبواب أندية أوروبية تبحث عن مدربين أصحاء الرصيد. وكان من شأن أي تردد من الاتحادية أن يُفتح أمام المدرب باب التفكير في خيارات أخرى، مع ما يحمله ذلك من تشتت وضغوط غير مرغوب فيها.
بادر رئيس الاتحادية وليد صادي إلى تدارك هذا الوضع من خلال تمديد عقد بيتكوفيتش بشكل استباقي، مانحاً المدرب الأمان الوظيفي والمالي اللازمين للتفرغ الكامل لمهمة بناء المنتخب الوطني الجزائري بيتكوفيتش الذي يحلم به الجميع في كأس العالم. الرهان واضح: مدرب مستقر = منتخب متماسك = أداء أفضل في أكبر حفل كروي كوني.
آفاق 2028: أبعد من مونديال واحد
يمتد تمديد عقد بيتكوفيتش ليتجاوز أفق 2026، وهو ما يُؤطَّر بوصفه استثماراً في مشروع كروي جزائري شامل. فالمدرب البوسني المعروف بقدرته على صقل المواهب وبناء المنظومات التكتيكية سيكون مسؤولاً عن مرحلة كاملة تشمل التأهل لكأس أمم إفريقيا 2027، وبداية مشوار التأهل لمونديال 2030.
راتب بيتكوفيتش المُعدَّل وحوافزه المالية المتطورة ليست كلفة باهظة؛ بل هي استثمار مدروس في استقرار المنتخب الوطني الجزائري بيتكوفيتش على مدى سنوات، وبوليصة تأمين ضد كل أشكال الارتجالية التي طالما أضرّت بالكرة الجزائرية في محطاتها الكبرى.


