في تطور يثير الدهشة والاستغراب، تتجه الكونفدرالية الأفريقية لكرة القدم (الكاف) نحو اعتماد ملعب 28 سبتمبر بكوناكري رسمياً لاحتضان مباريات منتخب غينيا، وذلك بعد أشهر طويلة من الإغلاق والتأهيل. لكن ما يثير الجدل ليس القرار في حد ذاته، بل التوقيت المريب لهذا الاعتماد، حيث تسارعت وتيرة الأشغال في الملعب بشكل مفاجئ ومثير للريبة فور الإعلان عن موعد مواجهة الجزائر المقررة في سبتمبر المقبل ضمن الجولة الثامنة من تصفيات كأس العالم 2026. هذا التسارع المشبوه يطرح تساؤلات جدية حول نزاهة التطبيق المتساوي للمعايير الفنية والتنظيمية في القارة الأفريقية، خاصة وأن هذا النمط بدأ يتكرر بشكل لافت كلما تعلق الأمر بمواجهة منتخب الجزائر.
الملعب المنسي يستيقظ فجأة!
ملعب 28 سبتمبر بكوناكري، هذا الصرح الرياضي الذي كان غارقاً في سبات عميق لأشهر طويلة، شهد نهضة مفاجئة لا تخلو من الغرابة. فبعد أن اضطر منتخب غينيا إلى استقبال ضيوفه في ملاعب خارج القواعد الرسمية بسبب عدم صلاحية ملعبه الرئيسي، ها هو يستيقظ من سباته العميق بـ”العصا السحرية” فور الإعلان عن موعد مواجهة الجزائر.
هذا التحول المفاجئ في مصير الملعب لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة، خاصة وأن الأشغال التي استمرت لأشهر دون تقدم يُذكر، شهدت تسارعاً مذهلاً في الأسابيع الأخيرة. الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: لماذا لم تتحرك الآلة الإنشائية بهذه الوتيرة المتسارعة من قبل؟ ولماذا انتظرت حتى اقتراب موعد مواجهة الجزائر تحديداً؟
نمط مقلق يتكرر بوتيرة مثيرة للريبة
الأمر الأكثر إثارة للجدل هو أن هذا ليس الحدث الأول من نوعه، بل يبدو أن هناك نمطاً مقلقاً يتكرر بوتيرة مثيرة للريبة في القارة الأفريقية. فكلما تعلق الأمر بمواجهة منتخب الجزائر، تتسارع الكاف بشكل مفاجئ في اعتماد الملاعب التي كانت مغلقة أو غير معتمدة لأشهر طويلة. هذا النمط المتكرر يثير تساؤلات جدية حول عدالة تطبيق المعايير الفنية والتنظيمية، ويلقي بظلال من الشك حول نزاهة القرارات الإدارية في الكونفدرالية الأفريقية.
فهل يعقل أن تكون هناك معايير مختلفة للمنتخبات المختلفة؟ وهل يعقل أن يكون موعد مواجهة الجزائر هو المحرك الأساسي لتسريع عمليات الاعتماد والتأهيل؟ هذه الأسئلة تتطلب إجابات واضحة وشفافة من الكونفدرالية الأفريقية، وإلا فإن مصداقيتها ستبقى موضع شك وريبة.
غينيا: من الطموح إلى الإحباط ثم الأمل المشبوه
تاريخ غينيا مع الكاف مليء بالتقلبات والمفاجآت، حيث شهدت البلاد ضربة قاسية في سبتمبر 2022 عندما أعلن رئيس الكاف باتريس موتسيبي تجريد غينيا من حق استضافة كأس الأمم الأفريقية 2025 بسبب عدم كفاية التقدم في الاستعدادات للاستضافة. هذا القرار جاء بعد شكوك جدية حول قدرة غينيا على الوفاء بالمعايير المطلوبة للاستضافة، مما وضع البلاد في موقف محرج أمام القارة الأفريقية بأكملها. لكن الغريب أن نفس البلد الذي لم يستطع الوفاء بمعايير استضافة كأس الأمم الأفريقية، يجد نفسه الآن قادراً على تأهيل ملعبه الرئيسي في زمن قياسي قبيل مواجهة الجزائر. هذا التناقض في الأداء يثير تساؤلات حول طبيعة المعايير المطبقة ومدى ثباتها وعدالتها. فإذا كانت غينيا قادرة على تحقيق هذا التقدم السريع في تأهيل ملعبها، فلماذا لم تفعل ذلك من أجل استضافة كأس الأمم الأفريقية؟
الجزائر في مرمى النيران: هل هناك استهداف مقصود؟
منتخب الجزائر، الذي يتصدر المجموعة السابعة في تصفيات كأس العالم 2026 برصيد 15 نقطة، يجد نفسه في موقف محرج بسبب هذه التطورات المريبة. فالمنتخب الوطني، الذي يواصل مشواره بنجاح في التصفيات الأفريقية ويسعى للحفاظ على صدارته وضمان بطاقة التأهل إلى البطولة العالمية، يواجه تحديات إضافية لا علاقة لها بالكرة أو الأداء الفني. هذا النمط المتكرر من اعتماد الملاعب قبيل مواجهة الجزائر يثير تساؤلات حول ما إذا كان هناك استهداف مقصود للمنتخب الوطني، أم أن الأمر مجرد سلسلة من المصادفات الغريبة. المنتخب الجزائري، الذي يقود المجموعة السابعة التي تضم أيضاً غينيا وأوغندا وموزمبيق وبوتسوانا والصومال، يحتاج إلى ضمانات حقيقية بأن المنافسة ستكون عادلة وشفافة، بعيداً عن أي تلاعب أو محاباة إدارية.
تساؤلات مشروعة تتطلب إجابات شافية
هذه القضية تطرح سلسلة من التساؤلات المشروعة التي تتطلب إجابات شافية وواضحة من الكونفدرالية الأفريقية. أولاً، لماذا تتم الموافقة على اعتماد الملاعب في توقيت محدد يسبق مواجهة منتخب الجزائر دون غيره من المنتخبات؟ هل هناك معايير خاصة يتم تطبيقها عندما يتعلق الأمر بالجزائر؟ ثانياً، هل تطبق الكاف معايير موحدة وثابتة على جميع المنتخبات أم أن هناك تفاوتاً واضحاً في التعامل يخل بمبدأ العدالة والمساواة؟ ثالثاً، ما هي الضمانات الحقيقية التي تكفل عدالة المنافسة وتطبيق المعايير الفنية والتنظيمية بشكل متساوٍ على جميع المنتخبات دون تمييز أو محاباة؟ رابعاً، هل هناك آليات رقابية مستقلة تضمن شفافية القرارات الإدارية وتمنع التلاعب أو الانحياز؟ هذه الأسئلة ليست مجرد تساؤلات نظرية، بل قضايا جوهرية تمس مصداقية الكرة الأفريقية ونزاهة المنافسة في القارة.
إلى أين تتجه الكرة الأفريقية؟
تبقى هذه القضية نموذجاً صارخاً على التحديات الجسيمة التي تواجه الكرة الأفريقية في ضمان العدالة والشفافية في تطبيق القوانين واللوائح. فالكرة الأفريقية، التي تشهد تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة على مستوى الأداء الفني والتنظيمي، تحتاج إلى ضمانات حقيقية بأن هذا التطور سيشمل أيضاً الجانب الإداري والتنظيمي. المواجهة المقررة في سبتمبر المقبل ستكون اختباراً حقيقياً ليس فقط للمنتخب الجزائري في مسعاه للتأهل إلى المونديال، بل أيضاً للكاف في إثبات حيادها وعدالتها في تطبيق قوانينها على جميع المنتخبات دون تمييز أو محاباة. فإذا فشلت الكونفدرالية في تقديم ضمانات حقيقية للعدالة والشفافية، فإن مصداقيتها ستبقى موضع شك وريبة، وستفقد الثقة التي تحتاجها لقيادة الكرة الأفريقية نحو مستقبل أفضل. عشاق الكرة الجزائرية والأفريقية ينتظرون إجابات واضحة وشافية، وليس مجرد قرارات إدارية تثير الجدل والشكوك.


