إبراهيم مازة لم يعد مجرد موهبة واعدة في باير ليفركوزن، بل تحوّل بعد عرضه الأخير أمام مانشستر سيتي إلى لاعب يجب ألا تضيع فرصة مشاهدته، لما يقدمه من مزيج نادر بين النضج التكتيكي، والذكاء في التحرك، والقدرة على صناعة الفارق في أعلى مستوى تنافسي في أوروبا. الأداء الذي قدمه في ملعب الاتحاد لم يكن مجرد مباراة جيدة، بل رسالة واضحة بأن هذا اللاعب بات جزءًا محوريًا في منظومة فريقه، واسمًا تحت مجهر كشّافي الأندية الكبرى في القارة العجوز.
مازة… لاعب يسرق المساحات
أمام مانشستر سيتي، قدّم مازة نموذجًا للاعب الوسط الحديث الذي لا يُمسك بمركز ثابت، بل يتحرك بين الخطوط بسرعات مختلفة وزوايا متنوعة، فيربك خصومه قبل أن يلمس الكرة حتى. في لحظات كان يتمركز قريبًا من دائرة الوسط للمساهمة في افتكاك الكرة والضغط العكسي، ثم في لمح البصر يُشاهد داخل المساحات بين دفاع السيتي ووسطه، كأنه “يسرق” مساحات الملعب ويحوّلها لصالح فريقه. هذا التنوّع في التمركز جعل دفاع مانشستر سيتي عاجزًا عن إيجاد طريقة واضحة للحد من تأثيره، لأن مراقبته رجلًا لرجل كانت تعني فتح فراغات لمصلحة زملائه، وتركه يتحرك بحرية تعني منح ليفركوزن أفضلية عددية في مناطق حساسة.
نضج تكتيكي وقرارات في التوقيت المثالي
تحركات مازة لم تكن عشوائية أو مبنية على الحماس فقط، بل عكست نضجًا تكتيكيًا عاليًا في فهم “متى وأين وكيف” يتحرك، وهو ما ظهر في أرقامه وأدائه معا. التقارير الإحصائية أظهرت أنه أتم 35 تمريرة صحيحة بنسبة نجاح بلغت 85%، مع ثلاث تمريرات طويلة ناجحة بنسبة 100%، ما يدل على قدرته على الربط بين خطوط الفريق وبناء الهجمة من العمق أو قلب اتجاه اللعب عند الحاجة. إضافة إلى ذلك، حسم سبعة صراعات ثنائية ونجح في خمس التحامات أرضية من أصل 11، وهو ما يعكس شخصية قوية في الالتحامات وقدرة على الفوز بالكرة في مواقف الضغط العالي.
تأثير مباشر في الهدفين… وما هو أبعد من الأرقام
على مستوى التأثير في النتيجة، كان مازة صاحب التمريرة الحاسمة في الهدف الثاني الذي “قتل” آمال مانشستر سيتي في العودة، بعد عمل جماعي أنهاه بتمريرة دقيقة لزميله الذي ترجمها إلى هدف مؤكد، ليُدوَّن اسمه في قائمة صانعي الفارق في هذه القمة الأوروبية.
لكن تأثيره لم يتوقف عند صناعة الهدف الثاني، إذ تشير التحليلات إلى أنه ساهم تكتيكيًا في بناء هجمة الهدف الأول أيضًا عبر تحركه لجذب أحد لاعبي الارتكاز وفتح الممر أمام زميله غريمالدو، وهو ما جعله شريكًا غير مباشر في صناعة الهدف رغم عدم تسجيل اسمه في خانة “التمريرة المفتاحية” في الإحصاءات الرسمية. هذا النوع من التأثير “الخفّي” يوضح قيمة اللاعب الذي يفهم تفاصيل اللعب، وليس من يبحث فقط عن الأرقام الظاهرة.
لاعب تحت رادار الأندية الإنجليزية
المواجهات من هذا المستوى، أمام بطل إنجليزي ومرشح دائم للفوز بدوري أبطال أوروبا، عادة ما تتحول إلى منصات عرض للنجوم الذين يملكون الجرأة على التألق تحت الضغط. بعد هذا الأداء، بات من الطبيعي أن يكون إبراهيم مازة تحت مراقبة الأندية الإنجليزية التي تبحث عن لاعبي وسط يمتلكون هذه المرونة في التحرك وهذا الهدوء في اتخاذ القرار، خاصة مع إثباته قدرته على الحفاظ على مستواه في أكثر من مباراة بدوري الأبطال، حيث خاض 275 دقيقة في المسابقة هذا الموسم، بينها لقاءات حاسمة أمام بنفيكا ومانشستر سيتي، مع حصيلة مميزة على مستوى الجوائز الفردية والأرقام. إذا استمر على هذا النسق، فلن يكون مستغربًا أن يتحول اسمه قريبًا إلى أحد أبرز أهداف الميركاتو في البريميرليغ أو في أندية الصف الأول بأوروبا.
بهذا العرض، يظهر بوضوح أن مازة ليس مجرد لاعب يمرّ بفترة جيدة، بل مشروع نجم كبير يبني طريقه بثبات، ويقدّم نموذجًا للاعب الجزائري القادر على فرض نفسه في أضخم المسارح الكروية العالمية.


