هل يكرر بيتكوفيتش “سيناريو شايبي” لإنقاذ عبدلي من جحيم مارسيليا قبل المونديال؟

في عالم كرة القدم الحديثة، لم يعد دور الناخب الوطني يقتصر على وضع الخطط التكتيكية واختيار التشكيلة الأساسية فحسب، بل يتعداه ليكون “طبيباً نفسياً” ومديراً للأزمات. وفي هذا السياق، تبرز قضية صانع ألعاب “الخضر”، حيماد عبدلي، وما يعيشه من أزمة معقدة داخل أروقة نادي أولمبيك مارسيليا، كاختبار حقيقي لقدرة الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش على إدارة المواهب، وسط تساؤلات مشروعة: هل يرمي بيتكوفيتش طوق النجاة لعبدلي كما فعلها سابقاً مع فارس شايبي؟

للإجابة عن هذا التساؤل، يكفي أن نعود بالذاكرة قليلاً إلى تربص شهر نوفمبر 2024. حينها، كان النجم فارس شايبي يعيش فترات عصيبة ومعقدة، مبعداً عن صفوف المنتخب لفترة، ويعاني من نقص فادح في المشاركات مع ناديه آينتراخت فرانكفورت الألماني.

في تلك اللحظة المفصلية، قرر المدرب البوسني التخلي عن لغة الأرقام الجافة، ولعب بذكاء على وتر “الاحتواء النفسي”. استدعى شايبي، منحه الثقة، وأعاده بقوة من بوابة المباراة التاريخية أمام ليبيريا في ملعب حسين آيت أحمد بتيزي وزو. تلك المباراة لم تكن مجرد 90 دقيقة، بل كانت “محطة إعادة إقلاع” حقيقية لشايبي، الذي شعر بالامتنان، فرد الدّين لمدربه فوق الميدان واستعاد توهجه مع المنتخب والنادي على حد سواء. هذا الأسلوب الإداري الذكي يخلق رابطاً عاطفياً وولاءً تكتيكياً يجعل اللاعب مستعداً لتقديم الغالي والنفيس من أجل قميص المنتخب.

بالعودة إلى قضية حيماد عبدلي، من الإجحاف الحكم على مستواه الفني بناءً على أزمته الحالية. عبدلي يبقى “قيمة فنية ثابتة” لا نقاش فيها، وما يعيشه اليوم هو نتيجة حتمية لعدم التأقلم في بيئة مسمومة ومعقدة تكتيكياً.

فالنادي الفرنسي يعيش حالة من التخبط الواضح تحت قيادة مدرب “مبتدئ” بصدد هدم وتدمير كل الأساسات الكروية المتينة التي بناها سلفه الإيطالي روبيرتو دي زيربي. وفي بيئة تفتقر للاستقرار الفني والمشروع الواضح، يصبح من الطبيعي أن يدفع اللاعبون المهاريون، أمثال عبدلي، الثمن غالياً.

الأزمة الحالية لعبدلي مع ناديه لا تعني بأي حال من الأحوال غياباً مؤكداً أو إقصاءً حتمياً من حسابات المونديال. لغة الأرقام تؤكد أن اللاعب لم يبتعد تماماً عن أجواء المنافسة؛ فقد شارك بانتظام طيلة مرحلة الذهاب، وخاض دورة من أعلى مستوى في المغرب، كما أنه تمكن من افتكاك بعض الدقائق في مرحلة العودة.

هذا الرصيد من الدقائق يجعله قابلاً للوصول إلى “جاهزية بدنية مقبولة” تلبي متطلبات المستوى العالي. والأهم من الجاهزية البدنية، هو “الدافع النفسي”؛ فعبدلي سيعتبر نهائيات كأس العالم 2026 فرصة ذهبية ومنصة عالمية لـ “الثأر كروياً” والرد الميداني على كل من شكك في قدراته في فرنسا.

في المحصلة، وبغض النظر عن الدعم الذي سيتلقاه عبدلي من الطاقم الفني للمنتخب الوطني، باتت هناك قناعة راسخة لدى المتابعين والنقاد: “خروج أمين غويري وحيماد عبدلي من الجنوب الفرنسي لم يعد خياراً تكتيكياً، بل بات ضرورة قصوى وحتمية رياضية”. إنقاذ مسيرتهما الكروية والحفاظ على جاهزيتهما للمواعيد الكبرى مع “محاربي الصحراء” يتطلب حزم الحقائب نحو بيئة كروية أكثر احترافية واستقراراً.